تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الصوفى الفلسفى للقرآن الكريم — صفحة 553

مساهمون:

ص٥٥٣
النداء إشارة إلى القلب أو النفس الجزئية وقد تعب من التفكير في الأحجية الكبرى التي هي الحياة ، فمن دون اعتماد الشريعة ، كيف يعلم الإنسان من هو ، ومن أين جاء ، وكيف جاء ، وما دوره في الوجود ، وإلام الصراع والألم والعذاب ؟ فالإنسان من غير الشريعة تائه بائس مسكين . ومع هذا فللشريعة حدود كما جاء في وصف الأعراب :
قالَتِ الْأَعْرابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمانُ فِي قُلُوبِكُمْ
[ الحجرات : 14 ] فالإيمان درجات أولها الإيمان باللّه ، وزكريا أنهى دوره وعمل صالحا وجاهد واجتهد ، ولكنه ظل مع هذا متعبا كما قال صلّى اللّه عليه وسلّم : ( لا راحة لمؤمن إلا بلقاء ربه ) ، وقال عارف : توقع الأكدار ما دمت في هذه الدار ، فزكريا شكا ربه ما به ، وأن العمر تقدم به ، وأنه خائف من الدنيا وشركها ، وما تفرضه من مجاهدات ، كما أن الخواطر بالمرصاد ، ولا ينجو من الخواطر حتى ولا المؤمنون ، والخواطر هي ما رمز إليها زكريا بالموالي ، وقوله :
مِنْ وَرائِي
أي هن على أثري ، أي لا يدعونني . . . وقوله :
وَكانَتِ امْرَأَتِي عاقِراً
إشارة إلى النفس الحيوانية التي كنا سميناها الجسم الكلي والروح الحيواني والتي هي مركبة الإنسان بما لديها من أجهزة وآلات كالدماغ والأعصاب والحواس . . . ووصف هذه النفس بأنها عاقر يعني أنها لا تستطيع إلا جمع المعلومات من الخارج ، ولهذا رفض الفيلسوف كانط إثبات وجود اللّه بالأدلة العقلية ، إذ الفكر متناقض ، ويمكن اعتماده لإثبات وجود اللّه ولعدم وجوده ، وهذا أمر مشاهد لدى الفلاسفة المؤمنين والملحدين . وقوله :
فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا ،
يعني أن ارزقني اليقين ، كما قال موسى لفتاه :
آتِنا غَداءَنا لَقَدْ لَقِينا مِنْ سَفَرِنا هذا نَصَباً
[ الكهف : 63 ] ، وفي قوله :
وَلِيًّا
نكتة ، فالولي من ولاه اللّه ، بل إن عبد الكريم الجيلي جعل الولي الحق نفسه ، كما قال سبحانه :
اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا
[ البقرة : 257 ] ، فزكريا سأل ربه أن يهبه اليقين لينجو مما هو فيه من أذى الخواطر والشكوك وتعب المجاهدات .

[ سورة مريم ( 19 ) : آية 6 ]

يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا ( 6 ) [ مريم : 6 ] الوراثة ، وراثة الروح ، أي أن يصبح الروح هو الوارث ، والوارث اسم من أسمائه تعالى ، وآل يعقوب الجماعة المؤمنون الواقفون بالباب ينتظرون الرحمة والبشرى والدخول في الصالحين .

[ سورة مريم ( 19 ) : آية 7 ]

يا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ اسْمُهُ يَحْيى لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا ( 7 ) [ مريم : 7 ] يحيى إشارة إلى اسمه تعالى الحي ، فهو كالعبد الصالح الذي لقيه موسى عند مجمع
التفسير الصوفى الفلسفى للقرآن الكريم — صفحة 553 | محمد غازي عرابي