[ سورة مريم ( 19 ) : آية 10 ]
قالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قالَ آيَتُكَ أَلاَّ تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَ لَيالٍ سَوِيًّا ( 10 )
[ مريم : 10 ]
عدم تكليم الناس إشارة إلى الاعتكاف في محراب الخلوة والانقطاع عن العالم الخارجي ، ليتحقق تفجير الطاقة النورانية الكامنة في القلب ، وتحديد المدة بثلاث ليال إشارة إلى العوالم الثلاثة التي خلق اللّه الإنسان فيها من قبل أن ينفخ فيه من روحه كما قال سبحانه في موضع آخر :
مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُماتٍ ثَلاثٍ
[ الزّمر : 6 ] ، وهذه العوالم هي الذات والصفات والأفعال .
[ سورة مريم ( 19 ) : آية 11 ]
فَخَرَجَ عَلى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرابِ فَأَوْحى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا ( 11 )
[ مريم : 11 ]
القوم إشارة إلى الحواس ظاهرة وباطنة وقد حبست في الخلوة انتظارا لظهور الوحي ، والملاحظ أن كلمة القوم هي مفرد ولها معنى الجمع كما يقال جيش مثلا ، وفي الفلسفة تدرج الجزئيات في الكليات حيث يكون الناس ممثلي الإنسانية ، وتكون الإنسانية ممثلة النوع ، ويكون النوع واحدا وإن ظهر في كثير .
[ سورة مريم ( 19 ) : آية 12 ]
يا يَحْيى خُذِ الْكِتابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْناهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا ( 12 )
[ مريم : 12 ]
قلنا : يحيى إشارة إلى القلب وقد انفجر فيه النور الشعشعاني فضاء المصباح المقدس الذي ورد ذكره في موضع آخر كقوله سبحانه :
كَمِشْكاةٍ فِيها مِصْباحٌ
[ النّور : 35 ] ، والكتاب فض ختم النفس الكلية التي صار القلب ممثلها ولسانها الناطق ، والتي سميت في القرآن أم الكتاب ، ففي هذه النفس العلوم المطوية التي نشرت في العالم المحسوس عن طريق الحواس نفسها فكان الإنسان الأرض والفلاح والماء والحصاد .
وقوله :
وَآتَيْناهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا
يذكر بقوله تعالى في عيسى ابن خالة يحيى :
وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ
[ آل عمران : 46 ] . . . والإشارة إلى الولادة الذاتية المعنوية العلمية الجديدة التي يكون الإنسان حيالها مثل الصبي الذي جعل يتكلم .
[ سورة مريم ( 19 ) : الآيات 13 إلى 14 ]
وَحَناناً مِنْ لَدُنَّا وَزَكاةً وَكانَ تَقِيًّا ( 13 ) وَبَرًّا بِوالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ جَبَّاراً عَصِيًّا ( 14 )
[ مريم : 13 ، 14 ]
الحنان والزكاة والتقوى من صفات الأولياء ، وهي خاصة بهم دون الناس ، ولهذا رجحت أخلاق الأنبياء والأولياء أخلاق الناس أجمعين ، قال ابن سبعين : أهل الحقائق موالدهم معلومة ، ونفوسهم معصومة ، وأحلامهم مسددة موفقة ، وخواطرهم صادقة مصرفة ، وأخلاقهم حسنة لينة ، وأحوالهم بالجملة فاضلة سهلة هينة .