تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الصوفى الفلسفى للقرآن الكريم — صفحة 547

مساهمون:

ص٥٤٧

[ سورة الكهف ( 18 ) : الآيات 87 إلى 89 ]

قالَ أَمَّا مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذاباً نُكْراً ( 87 ) وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً فَلَهُ جَزاءً الْحُسْنى وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنا يُسْراً ( 88 ) ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَباً ( 89 ) [ الكهف : 87 ، 89 ] تشرح الآيات سر معادلة الأسماء والصفات الإلهية ، فممثلو الأسماء الجلالية كالجبار والمنتقم معذبون لكونهم جبارين ومنتقمين ، إذ قلنا إن الموصوف تابع الصفة والحجاب عذاب . . . أما ممثلو أسماء الجمال فلهم جزاء تمثيلهم هذا الشطر النوراني من الذات لكونهم موضع إشعاع هذه الأنوار الشريفة . والآيات تذكر بقول أرسطو معرفا النفس : أنها كمال أول لجسم آلي ذي حياة بالقوة ، فهذا الكمال هو طبيعة الصفة المودعة في الإنسان والتي تلهمه وتسيره ، ففريق هم أصحاب الجنة وفريق هم أصحاب النار ، وكل إنسان هو مثل الفرخ الذي يكون في بيضته ، والذي يمثل نوع الطير الذي سيكونه بعد أن يفقس بيضته ، ففرخ النسر صائر نسرا ، وفرخ الغراب صائر غرابا ، وهذا معنى قول أرسطو : إن النفس كمال أول ، وقوله أيضا : إن الإنسان مجبور في عين اختياره ، فما خرج أحد على المقدور والفطرة ، وهذا ما عرف في الفلسفة بقانون السببية المشهور ، وهذه هي الأحجية التي وقف أمامها الفيلسوف كانط فما استطاع لها حلا ، إذ كيف يكون الإنسان حرا وخاضعا لقانون السببية الكوني في الوقت نفسه ؟

[ سورة الكهف ( 18 ) : الآيات 90 إلى 92 ]

حَتَّى إِذا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ وَجَدَها تَطْلُعُ عَلى قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِها سِتْراً ( 90 ) كَذلِكَ وَقَدْ أَحَطْنا بِما لَدَيْهِ خُبْراً ( 91 ) ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَباً ( 92 ) [ الكهف : 90 ، 92 ] الإشارة إلى الموحدين الذين ليس بينهم وبين الذات الإلهية حجاب ، وهذا معنى قوله :
لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِها سِتْراً ،
وقوله :
لَمْ نَجْعَلْ ،
يعني أن حدوث الكشف العرفاني نفسه أمر رهين بمشيئة اللّه ، ولولا أن اللّه أراد ما أرادوا ، ولولا أنه اصطفى وعافى ما عرفوا ولا اجتبوا ، ولهذا قالت الصوفية ومن قبلهم صلّى اللّه عليه وسلّم بالعناية المسبقة كقوله سبحانه :
الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنى
[ الأنبياء : 101 ] .

[ سورة الكهف ( 18 ) : الآيات 93 إلى 98 ]

حَتَّى إِذا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِنْ دُونِهِما قَوْماً لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلاً ( 93 ) قالُوا يا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجاً عَلى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا ( 94 ) قالَ ما مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْماً ( 95 ) آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتَّى إِذا ساوى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قالَ انْفُخُوا حَتَّى إِذا جَعَلَهُ ناراً قالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْراً ( 96 ) فَمَا اسْطاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطاعُوا لَهُ نَقْباً ( 97 ) قالَ هذا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي فَإِذا جاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا ( 98 ) [ الكهف : 93 ، 98 ]