الخضر ، قال : فأين أطلبه ؟ قال : على الساحل عند الصخرة التي يفلت عندها الحوت ، ولقد قال الخضر لموسى عند لقائهما : يا موسى خطر ببالك أنك أعلم أهل الأرض ، ما علمك وعلمي وعلم جميع الأولين والآخرين في جنب علم اللّه تعالى إلا أقل من الماء الذي تحمله الخطافة بمنقارها .
وجاء في كتب التاريخ أن الخضر كان في جيش ذي القرنين ، وكان على مقدمة الجيش فبلغ نهر الحياة ، وشرب من مائه فخلد ، وهو في الحياة إلى الآن ، وقال معقل في الصخرة التي كانت مكان اللقاء : هي الصخرة التي دون نهر الزيت وعندها عين تسمى ماء الحياة ، ولا يصيب ذلك الماء شيئا إلا عاد حيا ، والإشارات كلها إلى اسمه تعالى الحي لأنه لا حي بحق في الوجود سواه .
[ سورة الكهف ( 18 ) : آية 83 ]
وَيَسْئَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُوا عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْراً ( 83 )
[ الكهف : 83 ]
ذو القرنين الإسكندر ولم يكن نبيا ، ولكن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال : ( العلماء ورثة الأنبياء ) ، وقال ابن عربي : ما أنا نبي ولا رسول ولكني وارث ولآخرتي حارث ، والملاحظ أن قصة ذي القرنين تبعت قصة العبد الصالح الذي علم موسى ، علم التوحيد ، فصار موسى عالما إلهيا . . .
وما دمنا بصدد الحديث عن الإنسان الكلي أو الإنسان الكامل باعتبار هذا الإنسان جوهر الإنسانية وتعينها الجامع ، وما دام سبحانه سمى إبراهيم أمة ، أي أنه يعدل أمة ، ويرجح بعلمه أمة ، فإن ذا القرنين هو المرتبة التي بلغها موسى بعد أن علم علم التوحيد ، ولتسمية الإسكندر ذا القرنين نكتة . . . ذلك أننا قلنا من قبل إن الإنسان هو المخلوق المصطفى ليكون جسرا بين الحق والعالم الخارجي ، وفي قلبه فضت المعقولات الإلهية فظهر العلم الإلهي الذي كان مضمرا ففتق ، ولهذا قلنا : إن الإنسان يجمع بين القديم والمحدث ، والأزلي والفاني ، والديمومة والصيرورة وهذه الازدواجية هي ما رمز إليها بالقرنين أو النعلين اللتين أمر موسى بخلعهما لما نودي من جانب طور نفسه ، فمعنى ذي القرنين أنه الإنسان المتأله الذي احتل منصب الخلافة بحق ، وصار ممثل آدم وولده من أهله ، ولهذا سجل التاريخ أن الإسكندر غزا العالم ، وفتحه شرقا وغربا ، فهذا التعين للكلي في إنسان جزئي وارد كما تعين النور القديم في شخص النبي عليه السّلام ، فكان جبريل النور الذي نفخه اللّه فيه .
وما يقع في التاريخ من أحداث هو إخراج العلوم التي تكون بالقوة ثم تكون بالفعل ، وفي هذا المجال صال الفيلسوف هيغل وجال ، وقال : إن التاريخ ليس إلا ميدان لفعل الروح ، وإن إرادة الروح تتحقق في الأحداث الجارية ، وقال أيضا إن للروح خبثا سماه اللّه من قبل مكرا ومكرا خفيا ، ومكره هو تحقيق ما يريد بواسطة أفراد النوع ، فيكون نابليون مثلا ومن خلال هذا المنظور ممثلا لإرادة القاهر فوق عباده وتعينا لاسمه الجبار .