فلا خلاف إذا قلنا : إن ذي القرنين كان إنسانا من لحم ودم أيضا ، ولا نقول إن ثمة خلافا بين الإشارات الواردة في القرآن وبين الأحداث والشخصيات التي تحدث عنها القرآن ، فما يقع على مسرح الوجود هو عينه ما يخرج من بطنان الروح الحقي ، وما الإنسان إلا أداة لتحقيق القصد من اتصافه سبحانه بصفاته الإلهية أي بكونه الحي العليم المريد القادر السميع البصير المتكلم ، فالوجود العياني تمثيل وإخراج ما كتب أزلا في كتاب اللوح المحفوظ ، والنبي عليه السّلام قال : ( لا تسبوا الدهر فإن اللّه هو الدهر ) ، وقد سئل يوما : أرأيت يا رسول اللّه دواء نتداوى به ، هل يرد من قدر اللّه ؟ فقال : ( هو من قدر اللّه ) ، ولما وصل عمر بن الخطاب الشام سمع أن بها الطاعون ، فأمر رجاله بالرجوع ، فسأله صحابي : أفرارا من قدر اللّه يا عمر ؟ فقال : ( نفر من قدر اللّه إلى قدر اللّه ) .
[ سورة الكهف ( 18 ) : الآيات 84 إلى 85 ]
إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَآتَيْناهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَباً ( 84 ) فَأَتْبَعَ سَبَباً ( 85 )
[ الكهف : 84 ، 85 ]
التمكن لذي القرنين مثل قوله سبحانه في يوسف :
وَكَذلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ
[ يوسف : 21 ] ، فالأنبياء والأولياء العارفون مكن لهم في الأرض ، وذلك لأنهم بلغوا مركز الدائرة ، فصارت الدائرة الأسمائية كلها ملكهم ، فلا أحد مكين عند اللّه وفي العالم إلا ممثل الإنسان الكامل وخليفة اللّه الأسماء الإلهية نفسها ، ولهذا رأينا العبد الصالح يأتي أفعالا تبدو ظاهرا خيرا وشرا ، وهو فوق الخير والشر ، وبالتالي فإن خليفته مستخلف في الأرض يفعل ما يشاء بإذن ربه وبأمره .
[ سورة الكهف ( 18 ) : آية 86 ]
حَتَّى إِذا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَها تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ وَوَجَدَ عِنْدَها قَوْماً قُلْنا يا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْناً ( 86 )
[ الكهف : 86 ]
مغرب الشمس العالم المحسوس ، لأن الشمس رمز الذات الإلهية ، وما دامت الذات الإلهية مركز دائرة العالم فإن هذه الذات بمثابة الشمس الغاربة في العين الحمئة التي هي رمز عالم المادة .
والقوم الذين وجدهم ذو القرنين عند العين الحمئة هم البشر المحجوبون الذين لا يعلمون أين اللّه ، ومن هو اللّه ، ولا كيف يفعل اللّه ، وقوله سبحانه :
يا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْناً
إشارة إلى أن فعل ذي القرنين ، أي ممثل الإنسان الكامل ، هو الرحيم ، كما وصف نفسه بالجبار المعذب عذابا نكرا ، فالإرادة الإلهية ظهرت هنا في الإنسان الكامل أي ظهرت فعلا على يد الإنسان .