تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الصوفى الفلسفى للقرآن الكريم — صفحة 503

مساهمون:

ص٥٠٣

[ سورة الإسراء ( 17 ) : الآيات 61 إلى 64 ]

وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاَّ إِبْلِيسَ قالَ أَ أَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِيناً ( 61 ) قالَ أَ رَأَيْتَكَ هذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلاَّ قَلِيلاً ( 62 ) قالَ اذْهَبْ فَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزاؤُكُمْ جَزاءً مَوْفُوراً ( 63 ) وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشارِكْهُمْ فِي الْأَمْوالِ وَالْأَوْلادِ وَعِدْهُمْ وَما يَعِدُهُمُ الشَّيْطانُ إِلاَّ غُرُوراً ( 64 ) [ الإسراء : 61 ، 64 ] تستمر الآيات في الضرب على وتر التناقض ، وهي تفسر عملية التناقض نفسها ، وفي كتابنا النصوص في مصطلحات التصرف عرّفنا إبليس قائلين إبليس صفة الحق التي قامت في وجه الحق ظهورا لصفته الثانية ، والقيام أحدي ، وإلا فمن هو إبليس ، وكان رئيسا للملائكة ، أي قائما على المعقولات المجردة التي كانت طوع أمره . ولهذا قلنا من بعد كما قالت الصوفية من قبل : إن عدم سجود إبليس أمر أملته الضرورة الوجودية التي اعتمدت التناقض مبدأ للحياة ، فإبليس شعار التناقض ، وبواسطته تم إحداث الشق في الذات التي انشطرت شطرين سمي أحدهما نفسا ، ودعاها ربها أمارة ، ودعتها الفلاسفة حيوانية وترابية ومادية . وفي الآية الواحدة والستين كان اعتراض إبليس مبنيا على أساس أن آدم مخلوق من طين ، أي من العناصر الأرضية ، والاعتراض قوي لأن إبليس رئيس المعقولات كما ذكرنا ، والمعقول هو دائما أشرف من المحسوس ، ونجد في الآية الثانية والستين كيف سلط إبليس على فريق من ذرية آدم الذين كتب عليهم أن يكونوا من أصحاب الشقاوة أزلا ، وقال المفسرون إن الأسماء المزدوجة كالهادي المضل تقتضي وجود مهدين وضالين وإلا لما تحقق وجود الاسم نفسه ، فعلى هذا الأساس انقسم الناس فريقين فريقا هم أصحاب إبليس ، وفريقا هم أصحاب الهدى ، فلا إبليس ولا غيره من أتباعه خرجوا على اللّه بغير مشيئة ، ودعيت العملية الإرادة الكونية التي اقتضت بدورها وجود الإرادة الدينية الممثلة للشطر الثاني من المعادلة والمتعلقة بأصحاب الهدى المهديين ، وهذه الإرادة هي التي تحدثت عنها الآية الخامسة والستون .

[ سورة الإسراء ( 17 ) : آية 65 ]

إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ وَكَفى بِرَبِّكَ وَكِيلاً ( 65 ) [ الإسراء : 65 ] كل إنسان يعيش حوارا ذاتيا دائما ، وهو يتخذ قرارا ما في موقف ما من قضية ما ، وعلى هذا الأساس من الاختيار الحر بنى الفيلسوف الوجودي سارتر فلسفته قائلا : إن كل ما في الوجود موجود بذاته إلا الإنسان فهو موجود لذاته ، فالإنسان على هذا حر يعيش حريته ويتخذ