تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الصوفى الفلسفى للقرآن الكريم — صفحة 465

مساهمون:

ص٤٦٥

[ سورة النحل ( 16 ) : آية 79 ]

أَ لَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ مُسَخَّراتٍ فِي جَوِّ السَّماءِ ما يُمْسِكُهُنَّ إِلاَّ اللَّهُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ( 79 ) [ النحل : 79 ] الطير الأرواح الجزئية أو النفوس الجزئية ، وهن مسخرات في جو السماء لأن لكل نفس طبعها واسمها وأصلها وصراطها ، وقوله :
ما يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا اللَّهُ
يعني أن اللّه هو حافظ النفس وهو الذي يحفظ لها وعليها اسمها وطبعها وصراطها ، فترى الشجاع لا يتحول عن شجاعته وكذلك الكريم . . . وثمة صفات هي في قيد التقلب كانقلاب المؤمن كافرا أو منافقا ، وانقلاب الكافر مؤمنا ، وانقلاب المنافق مؤمنا ، فهذا التقلب هو أيضا في قبضة الرحمن .

[ سورة النحل ( 16 ) : آية 80 ]

وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَناً وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعامِ بُيُوتاً تَسْتَخِفُّونَها يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقامَتِكُمْ وَمِنْ أَصْوافِها وَأَوْبارِها وَأَشْعارِها أَثاثاً وَمَتاعاً إِلى حِينٍ ( 80 ) [ النحل : 80 ] قلنا : البيت البدن وقد يكون القلب ، فإذا كان القلب البيت فهذا البيت هو في بيت البدن ، ولهذا تابعت الآية قائلة :
وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعامِ بُيُوتاً ،
أما الصوف والوبر والشعر فهي من مظاهر الجسم الكلي وإشارة إلى العالم الحسي حيث تخدم الظواهر بعضها بعضا ، فيخدم النبات الحيوان ، وتخدم الحشرات النبات وتقوم بتلقيحه ، ويخدم الحيوان الإنسان بتغذيته ، ويخدم الإنسان اللّه بعبادته وإظهاره ، فالوجود وحدة تامة كاملة متكاملة ، لا ترى فيها عوجا ولا أمتا .

[ سورة النحل ( 16 ) : الآيات 81 إلى 82 ]

وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِمَّا خَلَقَ ظِلالاً وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبالِ أَكْناناً وَجَعَلَ لَكُمْ سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ كَذلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ ( 81 ) فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ الْمُبِينُ ( 82 ) [ النحل : 81 ، 82 ] الظلال الأفكار ، فما من ساعة تمر بالإنسان أو هنيهة إلا وثمة أفكار تظله ، فأفكارنا ظلالنا لا تفارقنا وهي في النوم تبرز صورا ، والجبال الإيمان والعقيدة ، ولهذا وصفت هذه الجبال بأنها أكنان ، والكن ما يستر كالبيت والغار ، والإيمان بمثابة الكن يحفظنا من خواطر السوء والوسوسة ، ويسترنا ، ويحمينا في ساعة الشدة ، وهو ملجؤنا إذا هاجمنا اليأس والشك والخوف . والسرابيل الصفات ، والإنسان في حياته معرض لضغوط لا حصر لها ، وهو نفسه مجموعة رغبات وشهوات ، ولا حافظ له من هذه الوحوش إلا سرابيله ، أي الصفات التي وهبه اللّه إياها ، قال عثمان رضي اللّه عنه لما طلب إليه التنحي عن الحكم : ( لا أنزع سربالا سربلنيه اللّه ) ، والسربال لغة القميص ، والقميص ما يلبس على الصدر أي مكان القلب ، ولهذا جاء في قصة يوسف عليه السّلام أنه لما كان في الجب أتاه جبريل بقميص ألبسه إياه ليحميه به ، وقيل إن هذا