تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الصوفى الفلسفى للقرآن الكريم — صفحة 414

مساهمون:

ص٤١٤
ولا ينام الضمير حين ينام الإنسان لأن الحق لا تأخذه سنة ولا نوم ، ولكنه يدع النائم في راحة من تعب الدنيا والكبد ، فإذا أفاق لازمه فما فارقه قائما وقاعدا وعلى جنبه ، وهو نور يسعى بين يديه في ظلمات البر والبحر ، فالضمير الرحمة الرحيمية التي خص اللّه بها عباده المؤمنين بالإضافة إلى الرحمة الرحمانية العامة للوجود كله .

[ سورة الرعد ( 13 ) : آية 36 ]

وَالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَفْرَحُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمِنَ الْأَحْزابِ مَنْ يُنْكِرُ بَعْضَهُ قُلْ إِنَّما أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ وَلا أُشْرِكَ بِهِ إِلَيْهِ أَدْعُوا وَإِلَيْهِ مَآبِ ( 36 ) [ الرعد : 36 ] أصحاب الكتاب فريقان ، فريق صادق ذو قلب سليم وهؤلاء إذا سمعوا ما أنزل إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم صدقوا وعلموا أنه الحق وفرحوا لأن القلب السليم يسمع صوت الهدى من أي جهة صدر ، وذلك وفقا لبث المعقولات قواها من الخير والعدل والجمال والحق ، أما الفريق الآخر فهو المنافق ، وفي كل أمة منافقون يظهرون التصديق بما ينزل ، ويبطنون الكفر والتكذيب ، وهؤلاء آمنوا تقية أو حبا في تحقيق مطامع ومنافع ، ولكنهم إذا سمعوا التنزيل أنكروه لأنه يخالف ما يبطنون ، وما يبطنون هو الكذب والنفاق والتعصب .

[ سورة الرعد ( 13 ) : آية 37 ]

وَكَذلِكَ أَنْزَلْناهُ حُكْماً عَرَبِيًّا وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْواءَهُمْ بَعْدَ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ ما لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا واقٍ ( 37 ) [ الرعد : 37 ] لا سبيل إلا سماع صوت الحق . والأهواء خارجة عن حكم هذا الصوت وداخلة في الوسوسة ، والوسوسة تشكيك ولف ودوران ومحاولة زرع الخوف في القلب ، ولكل إنسان هدى ، واللّه هو الذي يوقي الأنفس شحها وأهواءها ، وما كان للنبي أن يكون صاحب هوى ولا سماعا لصاحب هوى ، ولئن فعل ضل وأضل .

[ سورة الرعد ( 13 ) : آية 38 ]

وَلَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلاً مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنا لَهُمْ أَزْواجاً وَذُرِّيَّةً وَما كانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ لِكُلِّ أَجَلٍ كِتابٌ ( 38 ) [ الرعد : 38 ] نزلت الآية لما عيّر النبي بكثرة نسائه ، وقالت النصارى مفاخرين : إن عيسى زاهد لم يقرب النساء وكذلك يحيى . . ولقد رد الحق على هذا الاتهام مذكرا بأن كثيرا من الرسل كانوا ذوي أزواج ، وكان لداود مائة امرأة ، وكذلك ولده سليمان . ولئن لم يقرب المسيح النساء فلأن قدره قدّر ذلك ، وذلك بحكم كونه نبي علم الباطن ، أي العودة من عالم الظاهر إلى عالم الباطن وهو الروح وهي عودة تقتضي التطهر والزهد في مباهج الحياة وزينتها . أما محمد عليه السّلام فكان خاتم الأنبياء ، فبظهوره ختمت الدورة الوجودية التي بدأت بكشف الفعل بدءا من إبراهيم . وإتمام الكشف الذاتي يعني العودة من رحلة الباطن إلى عالم الظاهر من جديد ، وهذه
التفسير الصوفى الفلسفى للقرآن الكريم — صفحة 414 | محمد غازي عرابي