تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الصوفى الفلسفى للقرآن الكريم — صفحة 395

مساهمون:

ص٣٩٥
والحقيقة أن العارف المحقق يقرأ ، بل كل عبقري يسمع ويقرأ القصص والأخبار حتى أن النبي نفسه اتهم بأنه قال ما قال ، وأتى بالقرآن وذلك بعد أن ظل يسمع في أسفاره ورحلاته التجارية من الرهبان والأحبار والقسيسين . وقال السهروردي : لا بد للعارف من دراسة الفلسفة ليتعلم التعبير عما يريد . وقيل في الروائي تولستوي الذي كان وحش القراءة : لم يكن يقرأ ليقلد الآخرين بل ليستخلص الشيء الخاص به . ثم إننا قلنا إن العالم كله ظاهرا وباطنا ملك للّه ومسرح نشاط الروح ، فلم لا يستعين العارف بعلوم الآخرين بالإضافة إلى العلوم التي حصلها وعلمها كشفا وذوقا ؟

[ سورة يوسف ( 12 ) : آية 87 ]

يا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْكافِرُونَ ( 87 ) [ يوسف : 87 ] طلب يعقوب لولده يوسف هو طلب الروح الموجود في الصدر للقلب الذي هو ممثل الاسم العليم . والحقيقة أن هذا الطلب من وإلى . . فالأصل كما قلنا اقتطاع شطر من الذات تكون ممثلة الاسم العليم ، وقلنا إن هذا الاسم قصد العالم السفلي لكي يستخلص علومه من جبه فالرحلة ضرورية . ولما كان الشطر الجزئي جزءا من الروح الكلي فإن هذا الروح هو بمثابة الأب الوالد الذي يظل يرعى ولده ، ويخاف عليه ، علما أنه يناجيه ويكلمه ويسدده ويحفظه كما قيل في تفسير :
لَوْ لا أَنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ
إنه رأى أمامه أباه ليصرف عنه السوء والفحشاء . وقوله :
لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكافِرُونَ
يعني أن الناس ، وبخاصة من كفر ، ينتابهم اليأس ، ويأخذهم ويهزمهم ويهدهم ، ولكن العارف موصول بربه . وقال الإمام النفري عن ربه : كيف تيأس مني وفيك متحدثي وسفيري ؟

[ سورة يوسف ( 12 ) : آية 88 ]

فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ قالُوا يا أَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ وَجِئْنا بِبِضاعَةٍ مُزْجاةٍ فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنا إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ ( 88 ) [ يوسف : 88 ] البضاعة المزجاة المعقولات المستخلصة من المحسوسات والتي هي غير ذات جدوى ما دام نور الهدى لم يشع في البصيرة ، ليكشف أسرار الغيب وحقائقه . وقوله :
فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنا
يعني طلب الأسماء إلى صاحب الاسم العليم أن يمن عليها بعلمه الجامع كما قال موسى للعبد الصالح :
هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْداً
[ الكهف : 66 ] فمشكلة المعقولات أنها مجزأة ، فكل معقول متخصص في مجاله ، وهو أمر تعرفه الفلاسفة والعلماء الإختصاصيون ، فلا قبل لأحد على تحصيل العلم الجامع ، ولكن القلب الذي تفتحت بصيرته يفعل ، فترى العارف محيط بكل شيء خبرا ، وعلى رأس