تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الصوفى الفلسفى للقرآن الكريم — صفحة 312

مساهمون:

ص٣١٢

[ سورة التوبة ( 9 ) : آية 30 ]

وَقالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقالَتِ النَّصارى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْواهِهِمْ يُضاهِؤُنَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ ( 30 ) [ التوبة : 30 ] قضية الأبوة الإلهية من القضايا التي كفر بسببها اليهود والنصارى ذلك لأن اللّه نور محض ، وما علم التوحيد من ألفه إلى يائه إلا محاولة لتعريف هذا النور الشفيف اللطيف الذي سماه الغزالي النور المعنوي ، وهذا النور يلد العالم الخارجي بمعنى صدور شيء عن شيء أو خروجه منه ، وضرب أفلوطين ، ومن بعده ابن عربي ، الشمس وأشعتها الصادرة عنها مثلا لهذا الصدور ، وحتى هذا المثل وقفت النقاد منه موقفا سلبيا ، إذ قالوا إن المثل حسي ، وتمثيل الصدور الإلهي لا ينطبق عليه ، ولما كانت اللغة والكلمات تصويرا لأشياء حسية ، مع مراعاة انتقالها إلى التجريد المعنوي ، كان لا بد من اعتماد تشابيه حسية يخلص منها إلى المعنى . . . واللّه سبحانه كله معنى وعقل ونور . أما أن يلد اللّه ولدا ، أو أن يكون اللّه المسيح نفسه ، فهذا منطق مرفوض ، لأن كل ظاهر له بالعالم الحسي صلة ، فالمسيح صورة وجسد ، وهو يأكل ويشرب وينام ويحتاج إلى كل ما يحتاجه الإنسان ، فكيف يكون المسيح ابن اللّه أو اللّه نفسه ؟ أما أن يكون المسيح ظهور اللّه ، كما قال عباس محمود العقاد إن اللّه قد ظهر في المسيح في صورة جميلة ، أو أن لا تقول النصارى بالأقانيم الثلاثة ، وأن يكون كل ما في الوجود هو اللّه ظاهرا وباطنا كما قال ابن عربي ، فهذا مقبول ولا يقتضي الكفر . فالوجود الحق له سبحانه ، وللبشر الظهور فقط ، وهم ممثلو عالم الإمكان ، فقراء إلى الوجود الحق وإلى قواه ودعائمه وأنواره ، وهم من دونه عدم محض ، وهم به عدم متحرك . قال جلال الدين الرومي لست من جنس ملك الملوك ، فما أبعدني عن ذلك ، ولكني مستضيء بنور من تجليه .

[ سورة التوبة ( 9 ) : الآيات 31 إلى 33 ]

اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَما أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا إِلهاً واحِداً لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ ( 31 ) يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِؤُا نُورَ اللَّهِ بِأَفْواهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلاَّ أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ ( 32 ) هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ ( 33 ) [ التوبة : 31 ، 33 ] اتخاذ الأحبار والرهبان أربابا من دون اللّه كفر وذلك بالرجوع إلى منطق الآية السابقة القاضي بأن لا وجود إلا اللّه ، وأن الأحبار والرهبان صور ، وأن اعتماد الصور شرك بل كفر