تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الصوفى الفلسفى للقرآن الكريم — صفحة 286

مساهمون:

ص٢٨٦
[ الأعراف : 189 ، 192 ] سبق أن أوردنا قوله تعالى في موضع سابق :
وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ
[ آل عمران : 28 ] باعتبار النفس صورته تعالى كما جاء في الحديث ، فالنفس لطيفة إلهية مشرقة منه سبحانه ، وهي صورته ، وهي سبيل الوحدانية المحضة إلى التكثر ، ويشق من النفس زوجها ، فالنفس شطران شطر فاعل يسمى العقل الفعال أو الروح أو المطاع أو النور المحمدي أو الحقيقة المحمدية ، وشطر منفعل يسمى النفس الكلية ويسمى حواء القابلة المنفعلة السالبة ، ولهذا سميت أيضا رحما . وباعتبار النفس صورة اللّه فلقد حملها اللّه صفاته وهي سبع الحياة والعلم والإدارة والقدرة والسمع والبصر والكلام ، والحياة الصفة الأولى وهي تجلي اسمه الحي ، واسمه هذا هو معجزة الوجود ، إذ ضرب اللّه مثلا لهذا الإعجاز قوله في موضع آخر :
يا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُباباً وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبابُ شَيْئاً لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ
( 73 ) [ الحجّ : 73 ] ، والملاحظ إنه مهما بلغ الإنسان شأوا في مجال الاختراعات إلا أنه يبقى عاجزا عن أن يخلق ذبابة ، أو يصنع بعوضة ، وكل المخترعات التي اخترعها تصنع بمواد أولية وجودية كونية كالكهرباء والماء والوقود والمعادن . والصفة الثانية هي العلم ، والعلم مركوز في النفس مكنون ، وسماه سبحانه الطي ، وسماه الرتق ، وسمى خروجه النشر والفتق ، ووجود المخلوقات جميعا هو تنفيذ خطة معينة لظهور الوجود الإلهي بكل شيء بدءا من الجماد ومرورا بالنبات والحيوان والإنسان ، ولقد شرف اللّه الإنسان بالعقل الذي هو فعل اللّه في الإنسان بالإنسان ، ويقوم الشطر الفاعل من النفس ، أي الروح ، بتفتيق يذور المعقولات الموجودة في تربة النفس ، وهو أمر اتفقت عليه الفلاسفة القدامى إذ قالوا إن العقل الفعال هو الذي يقوم بعملية تفليق المعقولات هذه ، فيستخلص من كل محسوس ، الذي هو صورة عيانية للمعقول ، هذا المعقول . والصفة الثالثة الإرادة ، وهي توجيه القصد إلى نشر ما هو مطوي فالحكم على هذا الأساس له خطة معينة محدودة مرسومة منذ بدء الخليقة ، وهذه الخطة هي ما سميت القضاء والقدر والأجل والميقات في الأديان . والصفة الرابعة القدرة ، وهي بث قوة التحريك في النفس بالنفس ، وعلى هذا فالنفس