الخطاب وجه في الآية إلى أصحاب التوراة وأصحاب الإنجيل ، كما ضرب اللّه أمثلة موحدين قدامي سبقوا نزول الأديان السماوية ، حتى أن العارف عبد الكريم الجيلي قال إنه رأى كشفا أفلاطون ، وقد احتل في الآخرة مكانة تعدل مكانة الأنبياء .
فالتوحيد الإسلامي قديم قدم العالم ، ولقد بدأ ظهوره وسيرورته منذ آدم . وما ظهور الأديان ، وثنية وسماوية ، سوى مراحل اقتضتها عملية تفتيق المعقولات الإلهية ذاتها عبر القرون .
ونجد هيغل في كتابه « تاريخ الفلسفة » يبين أن كل ذي فكر قد شارك في عملية تطوير الفكر ذاته ، وأن هذه الأجزاء ظاهرة ظهرت لإظهار الروح الكلي المظهر نفسه بالتناقض . وعلى هذا ففي اعتقاد هيغل ليس ثمة من خطل ، حتى وإن اختلفت الفلاسفة وناقض بعضهم بعضا ، وحارب بعضهم بعضا . فالمسيرة جماعية والجيش واحد ، وإن كان أفراده كثيرين .
[ سورة الأعراف ( 7 ) : آية 158 ]
قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ يُحيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِماتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ( 158 )
[ الأعراف : 158 ]
قوله :
يُحيِي
أي يقذف نوره في قلب عبده ، فيخرجه من ظلمات الجهل إلى نور المعرفة .
وَيُمِيتُ
يعني أنه يترك القلب في ظلمات الشهوة والغضب فيموت جهلا باللّه وبعدا عنه .
وكلمات اللّه أسماؤه ، وهي الأعيان الثابتة في البرزخ الفاصل بين عالمي الغيب والشهادة .
واختلف في عدد هذه الأعيان ، فالرسول صلّى اللّه عليه وسلّم قال : ( إن للّه تسعة وتسعين اسما من أحصاها دخل الجنة ) . ونجد ابن عربي يتوسع فيقول : إن كل ظاهر هو صورة من صور الأسماء ، ولهذا فإن كلمات اللّه لا تحصى مثلما أن صور هذا الوجود لا تحصى .
[ سورة الأعراف ( 7 ) : آية 159 ]
وَمِنْ قَوْمِ مُوسى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ ( 159 )
[ الأعراف : 159 ]
قوم موسى أهل الظاهر ، والأمة منهم المؤمنون بأن للظاهر باطنا هو النور . وإليه يتوجهون .
قال صلّى اللّه عليه وسلّم : ( إن من العلم كهيئة المكنون لا يعلمه إلا أهل المعرفة باللّه ، فإذا نطقوا به لم ينكره إلا أهل الغرة باللّه ) .
[ سورة الأعراف ( 7 ) : آية 160 ]
وَقَطَّعْناهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْباطاً أُمَماً وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى إِذِ اسْتَسْقاهُ قَوْمُهُ أَنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ الْحَجَرَ فَانْبَجَسَتْ مِنْهُ اثْنَتا عَشْرَةَ عَيْناً قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُناسٍ مَشْرَبَهُمْ وَظَلَّلْنا عَلَيْهِمُ الْغَمامَ وَأَنْزَلْنا عَلَيْهِمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوى كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ وَما ظَلَمُونا وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ( 160 )
[ الأعراف : 160 ]