تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الصوفى الفلسفى للقرآن الكريم — صفحة 26

مساهمون:

ص٢٦
يكون عالما ، ومن هذه الكلمات ما ورد على لسان إبراهيم نفسه لما كان يبحث عن اللّه فوجده خارج الأين ، فالطريق الإبراهيمي طريق علمي كان فارسه المجلي محمد صلّى اللّه عليه وسلّم . أما الذرية فهي إشارة إلى الجمع والتفريق ، فلقد دأب الناس على خص من خص بالرسالة من الحق بأن يكون النسل تابعا لهم ، وهو أمر ترفضه الرسالة نفسها ، إذ الأمر ليس مشروطا بالنسل ، وكنا قد تحدثنا عن أن التوحيد ديانة عالمية علمية ، والبدهي ألا ينحصر في الذرية نفسها أي النسل ، ونجد مصداق ذلك في الكتب السماوية أن ابن نوح لم يكن من أهله ، أي من معدنه وأنه خرج عليه لما دعاه ليأوي إلى الفلك بعد الطوفان ، والكلام تنبيه إلهي لنبي الموحدين إبراهيم عليه السّلام ، علما أنه سبحانه كرم ذرية إبراهيم مثل إسحاق ويعقوب وإسماعيل عليهم السّلام .

[ سورة البقرة ( 2 ) : آية 125 ]

وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْناً وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنا إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ أَنْ طَهِّرا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ ( 125 ) [ البقرة : 125 ] البيت إشارة إلى القلب بعد تطهره من الاثنينية ، أي من القرين الذي يشاطر الإنسان مسكنه والمثابة بمثابة إيواء طالبي الحقيقة ، ولهذا كان الحج بمثابة ولادة جديدة للإنسان قال صلّى اللّه عليه وسلّم : ( من حج فلم يفسق ، ولم يرفث ، رجع كيوم ولدته أمه ) . واتخاذ مقام إبراهيم مصلى الوصول إلى عين الجمع التي ينفجر ماؤها في القلب فيتوحد التضاد ، وهذا ما عبرت عنه الآية بأن مقام إبراهيم هو مصلى ، والعهد الذي أعطي لإبراهيم وإسماعيل هو حدوث الأمن الذي يحصله القلب بعد فراغه من هم التضاد ، فإبراهيم هنا مقام الروح الهادي ، وإسماعيل مقام القلب المهدي ، فهذا منور بذاك ، ولهذا كانت صلة الروح بالقلب مثل صلة الوالد بولده في الولادة والتنشئة والرعاية ، وتطهير البيت طهارة القلب الواصل ، وعبر عن هذا بالركوع والسجود ، وهما الخضوع للّه تعالى قبلة المصلي الحقيقية .

[ سورة البقرة ( 2 ) : آية 126 ]

وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هذا بَلَداً آمِناً وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَراتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ قالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلاً ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلى عَذابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ ( 126 ) [ البقرة : 126 ] البلد الآمن والرزق انفتاح طاقة الروح في القلب ، وبدء عملية التعليم الإلهي اللدني ، فمن آمن بهذا الضرب من التعليم فاز ، ومن كفر ، أي ظل الحجاب مضروبا بينه وبين الروح ، فهو يتمتع قليلا في البداية ، وذلك في بحثه عن الحقيقة وركوب طريقها عن طريق الحس والعيان ، ثم يصير إلى عذاب النار ، والنار الحجاب الحقيقي .

[ سورة البقرة ( 2 ) : آية 127 ]

وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْراهِيمُ الْقَواعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْماعِيلُ رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ( 127 ) [ البقرة : 127 ]