تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الصوفى الفلسفى للقرآن الكريم — صفحة 203

مساهمون:

ص٢٠٣
وهذا ملخص فلسفة أرسطو . والنفخ الإسرافيلي دائم لأن عملية نسج الحياة من الصورة والمادة متجدد في كل لحظة ، وهو يدخل في نطاق القيومية الإلهية ، وهو من فعل اسمه تعالى الحي ، فإسرافيل ممثل قوة الخلق الإلهية ، وهو جسر بين البطون والظهور ، وهو مظهر اسمه تعالى العليم ، ولهذا جاء في الآية :
عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ
.

[ سورة الأنعام ( 6 ) : آية 74 ]

وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ أَ تَتَّخِذُ أَصْناماً آلِهَةً إِنِّي أَراكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ ( 74 ) [ الأنعام : 74 ] الأصنام مظاهر الصفات ، أي الناس أنفسهم ، فكل صنم رمز لصورة ظاهرة ، هكذا يوسوس الشيطان للإنسان ليجعل من كل ظاهر صنما يعبد ، وإبراهيم عليه السّلام لم يقتنع بهذه المظاهر المتبدلة الفانية والقائمة بغيرها ، إذ رآها قادمة من العدم ، وصائرة إلى العدم ، وهي بين العدمين ضعيفة وإن بدت ذات قوى وإمكانات .

[ سورة الأنعام ( 6 ) : آية 75 ]

وَكَذلِكَ نُرِي إِبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ ( 75 ) [ الأنعام : 75 ] ملكوت السماوات والأرض الخواطر ، فاللّه حين يريد بعبد خيرا يعرفه نفسه ، ولهذا كتب على باب معبد دلفي في اليونان : اعرف نفسك ، وقال سبحانه :
وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَ فَلا تُبْصِرُونَ
( 21 ) [ الذّاريات : 21 ] ، فاللّه في النفس فهو الذات الخفية الموحية الملهمة ، فإذا ضاء نور الهدى أحس الإنسان الانشطار بين أناه والذات الإلهية من جهة ، وأناه والذات المظلمة من جهة أخرى ، فبلغ مقام القلب ، والقلب من التقلب ، فبدأ التفكير في خلق السماوات والأرض .

[ سورة الأنعام ( 6 ) : الآيات 76 إلى 78 ]

فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأى كَوْكَباً قالَ هذا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قالَ لا أُحِبُّ الْآفِلِينَ ( 76 ) فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بازِغاً قالَ هذا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ ( 77 ) فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بازِغَةً قالَ هذا رَبِّي هذا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قالَ يا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ ( 78 ) [ الأنعام : 76 ، 78 ] قال الإمام الغزالي : المراد بالكوكب والقمر والشمس التي رآها إبراهيم أنوار هي حجب اللّه ولم يرد هذه المعروفات ، وقال صلّى اللّه عليه وسلّم : ( إن للّه سبعين ألف حجاب من نور وظلمة لو كشفها لأحرقت سبحات وجهه ما أدركه البصر من خلقه ) . فما الحجب التي رآها إبراهيم ؟ أولا رأى الكواكب ، والأرض كوكب ، والأرض مثل البدن للإنسان ، فأول حجاب رآه إبراهيم كان جسده ، فلما صرف عينيه عنه رأى القمر ، ووصف
التفسير الصوفى الفلسفى للقرآن الكريم — صفحة 203 | محمد غازي عرابي