تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الصوفى الفلسفى للقرآن الكريم — صفحة 166

مساهمون:

ص١٦٦
واللّه جامع للتضاد كما أجاب أبو سعيد الخراز لما سئل كيف عرف اللّه ، فقال : بالجمع بين الضدين ، فهو سبحانه فوق الخير والشر ، والخير والشر من صنعه تعريفا لقدراته وإظهارا لمعقولاته . وختمت الآية بالقول :
إِنَّما يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ
أي أن اللّه يتقبل من الذين اتقوه ، أي اتقوا أنفسهم وأنيتهم وصفاتهم ومعقولاتهم وحواسهم وقدموها كلها قربانا إلى اللّه باعتباره الخالق المصور البديع الفاعل ، وهم لها ظهور وواسطة ظهور ، فليس لهم من الأمر شيء . أما الكفار والأشرار فهم ليسوا متقين ، ولهذا سبب فالشر ما دام ممسكا بالأنا والصفة فمآله الاحتجاب عن اللّه ، إذ الكافر كافر بوجود اللّه متمسك بأناه ، ولقد ربطت الآية التقى بالتقبل الإلهي ، والكفر بالرفض الإلهي أو الحجاب .

[ سورة المائدة ( 5 ) : آية 28 ]

لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي ما أَنَا بِباسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخافُ اللَّهَ رَبَّ الْعالَمِينَ ( 28 ) [ المائدة : 28 ] القتل محاولة أسماء الجلال السيطرة على أسماء الجمال وقتلها أي إفنائها وتعطيل قواها ، وهذا واضح في مجال الجهاد ، ولقد أعلن ممثل أسماء الجمال هابيل أن لو بسط أخوه يده إليه ليقتله فلن يبسط هويده إليه ليقتله ، وللقول لطيفة فحواها قبول الخير والشر من اللّه تعالى ، وجاء في سورة الفلق :
قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ ( 1 ) مِنْ شَرِّ ما خَلَقَ
( 2 ) فمسرح الوجود يقتضي وجود النقيضين ، ولا وجود للوجود من غير تضاد ، ولهذا أمر النبي صلّى اللّه عليه وسلّم بأن يأخذ العفو ، وكان شعار الإسلام السّلام ، وإلى هذه اللطيفة الجامعة أشارت الآية بالقول الخاتم :
إِنِّي أَخافُ اللَّهَ رَبَّ الْعالَمِينَ
أي رب الخير والشر والنور والظلام .

[ سورة المائدة ( 5 ) : آية 29 ]

إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحابِ النَّارِ وَذلِكَ جَزاءُ الظَّالِمِينَ ( 29 ) [ المائدة : 29 ] التبوء احتلال المكانة المقدرة أزلا كما جاء في الحديث أن اللّه خلق الجنة وأهلها والنار وأهلها وهم في أصلاب آبائهم ، أما الإثم فهو حاصل عمل النفس الأمارة التي هي القرين الذي تحدث عنه النبي عليه السّلام ، فهابيل كان له نصيبه من هذا القرين ، وكذلك قابيل ، ولكن هابيل نجا من وسوسة هذا القرين بفضل من ربه ورحمته مقدرتين أزلا كما جاء في الحديث الشريف : ( إن اللّه خلق الخلق في ظلمة ثم رش عليهم من نوره فمن أصابه ذلك النور اهتدى ومن أخطأه ضل ) ، وقابيل لم يؤت نور الهدى لينجو من شر الوسوسة ، فكان جزاؤه تبوء مكانته بإثمه وإثم أخيه هابيل .