تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الأخلاق في القرآن — صفحة 248

مساهمون:

ص٢٤٨
حصلها ، وأن يقطع اللَّه هذه الأسباب عن مسبباتها » . ثمّ يضيف قائلًا : « وليس معنى التوكل - كما يظنه الحمقى - أنّه ترك الكسب بالبدن وترك التدبير بالقلب ، والسقوط على الأرض كالخرقة الملقاة واللحم على الوضم ، فإنّ ذلك جهل محض ، وهو حرام في الشرع ، فإنّ الإنسان مكلف بطلب الرزق بالأسباب الّتي هداه اللَّه إليها من زراعة أو تجارة أو صناعة أو غير ذلك ممّا أحلّه اللَّه » « 1 » . ونقرأ في ( المحجّة البيضاء ) في بحث حقيقة التوكّل قوله : « إعلم أنّ التوكّل من أبواب الإيمان وجميع أبواب الايمان لا تنتظم إلّا بعلم وحال وعمل والتوكل كذلك ينتظم من علم هو الأصل ، ومن عمل هو الثمرة ، وحال هو المراد باسم التوكّل » . ثمّ يشرع بذكر بعض التفاصيل عن عنصر العلم الّذي يمثل الأساس للتوكل ، وبعد بيان مطول يصل إلى ذكر حقيقة التوكل الّتي هي عبارة عن الأساس الّذي يبتني التوكل عليه ، وحاصله أن ينكشف لك أن لا فاعل إلّا اللَّه ، وأن كلّ موجود من خلق ورزق وعطاء ومنع وحياة وموت وغنى وفقر إلى غير ذلك فالمنفرد بابداعه واختراعه هو اللَّه تعالى لا شريك له ، وإذا انكشف لك هذا لم تنظر إلى غيره بل كان منه خوفك وإليه رجاؤك وبه ثقتك وعليه اتكالك فإنه الفاعل على الانفراد دون غيره ، وما سواه مسخّرون لا استقلال لهم بتحريك ذرّة في ملكوت السماوات والأرض » « 2 » . وقد ورد في الحديث الشريف عن النبي الأكرم صلى الله عليه وآله عندما سُئل : « مَا التَّوَكُّلُ عَلَى اللَّهِ عَزَّ وجلَّ ؟ فَقَال صلى الله عليه وآله : الْعِلْمُ بِانَّ الْمَخْلُوقَ لَا يَضُرُّ وَلَا يَنْفَعُ وَلَا يُعْطِي وَلَا يَمْنَعُ وَاسْتِعْمَالُ الْيَأْسِ مِنَ الْخَلْقِ » . ثمّ قال صلى الله عليه وآله : « فَاذَا كَانَ الْعَبْدُ كَذَلِكَ لَمْ يَعْمَلْ لِاحَدٍ سِوَى اللَّهِ وَلَمْ يَرْجُ وَلَمْ يَخَفْ سِوَى اللَّهِ ، وَلَمْ يَطْمَعْ فِي احَدٍ سِوَى اللَّهِ ، فَهَذَا هُوَ التَّوَكُّلُ » « 3 » .
هامش
( 1 ) . أخلاق شبّر ، ص 275 مع التلخيص . ( 2 ) . المحجة البيضاء ، ج 7 ، ص 273 . ( 3 ) . بحار الأنوار ، ج 68 ، ص 138 ، ح 23 .
الأخلاق في القرآن — صفحة 248 | الشيخ ناصر مكارم الشيرازي