« الآية الحادية عشر » تتحدّث عن أصل كلّي وعام وتبيّن أنّ حالة التعصب والاصرار على طول التاريخ البشري كان لها الدور المهم في استمرار الأقوام البشرية في سلوكهم في خطّ الكفر ومحاربة التوحيد وتقول :
وَكَذلِكَ ما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قالَ مُتْرَفُوها إِنَّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلى آثارِهِمْ مُقْتَدُونَ
« 1 » .
وسياق الآية يوحي إلى أنّ أهم مانع في مقابل الإيمان واتباع الأنبياء الإلهيين هو التعصب والتقليد الأعمى الناشئ من حالة الجهل الّتي يعيشها الإنسان .
وهنا تتضح الأبعاد الخطيرة لهذه الرذيلة الأخلاقية .
ونقرأ في « الآية الثانية عشر » والأخيرة أنّ الجاهليين وبسبب حالة التعصب واللجاجة كانوا يتهمون أكبر الأنبياء الإلهيين بالجنون ويجعلون ذلك ذريعة لمخالفتهم للدعوات السماوية وتقول :
« وَيَقُولُونَ أَ إِنَّا لَتارِكُوا آلِهَتِنا لِشاعِرٍ مَجْنُونٍ »
« 2 » .
والعجيب أنّ هؤلاء كانوا غارقين في دوّامة الجهل والتعصّب الأعمى إلى درجة أنّهم لم يكونوا يُدركون أنّ كلامهم هذا متناقض ، فإنّ كونه ( شاعراً ) يدلّ على الذوق السليم والقريحة والتأمّل والتفكر والاطلاع الوافي على دقائق الكلام ( والملاحظ أنّ كلمة الشاعر من مادّة الشعور ) وهذا ما يتقاطع مع كونه مجنوناً كما هو واضح .
وأحياناً يتهمون الأنبياء بالسحر والجنون كلاهما في حين أنّ السحر يحتاج إلى الاطلاع الواسع على بعض العلوم والمعارف ويستبطن ذكاءاً خاصاً ، وكلّ هذا يتقاطع مع الجنون ، وهذا يوضّح أنّ كلام هؤلاء المتناقض لم يكن بوحيٍ من العقل والتفكر الهاديء والمنسجم بل بدافع من الجهل والتعصب والعقدة .
هامش
( 1 ) . سورة الزخرف ، الآية 23 .
( 2 ) . سورة الصافات ، الآية 36 .