تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الأخلاق في القرآن — صفحة 242

مساهمون:

ص٢٤٢
فَأَصابَهُ وابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْداً »
. ومن المؤكد أنّ مثل هذا العمل والزرع ، لن يثمر أو يورق ، فكذلك سبحانه وتعالى ، لا يهدي من ينطلق في تعامله مع اللَّه تعالى من موقع الرّياء والكفر ،
« لا يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ »
. فعرّفت الآية مثل هؤلاء الأفراد بالمرائين الذين لا يؤمنون باللَّه ولا باليوم الآخر ، ومرّة أخرى عرّفتهم بالكافرين ، الذين تتحرك أعمالهم كالسّراب المخادع ، الذي لا قيمة له ، لأنّهم بذروا أعمالهم في أرض الرّياء السّبخة التي لا تصلح للزراعة ، ويوجد احتمال آخر في تفسير الآية ، وهو أنّ المرائي نفسه بمثابة قطعة الصّخر ، التي لا يثبت عليها التراب ، ولا يفيد معه أيّ بذرٍ من بذور الخير والصّلاح . نعم ! فأرواحهم مريضةٌ وأعمالهم عقيمة ، لا تقوم على أساس من الخير ، ونيّاتهم مشوبة بدرن الرّياء والشّرك الخَفي . واللّطيف : أنّ الآية التي تلتها في سورة البقرة ، شبّهت أعمال المخلصين ، بجُنينةٍ لا بذور فيها إلّا بذور الصّلاح ، فأصابها وابلٌ فنبتت نَباتاً حسناً ، فأثمرت ثمراً مضاعفاً ومُباركاً فيها . « الآية الثانية » : خاطبت الرّسول الأكرم صلى الله عليه وآله ، وأمرته بإيصال التّوحيد الخالص للنّاس ، إنسجاماً مع خطّ الرّسالة ، وباعتبار أَنَّ التّوحيدَ أصلٌ أساسي في الإسلام :
« قُلْ إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحى إِلَيَّ أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ » *
. وبذلك يستوحي المؤمن من جو الآية الكريمة ، أنّ الأعمال يجب أن تكون خالصةً ومنزّهةً من أدران الشّرك :
« فَمَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبِّهِ أَحَداً »
. وعليه فإنّ الشّرك في العبادة ، يهدم أساس التّوحيد ، والإعتقاد بالمعاد في حركة الإنسان والحياة ، أو بتعبيرٍ أدق : فإنّ جواز السّفر إلى الجنّة الخالدة ، يتمثل بِخُلوص العمل في دائرة السّلوك والنيّة . وجاء في شأن نزول الآية : قال ابن عباس : أنّها نزلت في جُندب بن زهير العامري ، قال : يا
الأخلاق في القرآن — صفحة 242 | الشيخ ناصر مكارم الشيرازي