تخطي إلى المحتوى الرئيسي

موسوعة القرآن العظيم — صفحة 2182

مساهمون:

ص٢١٨٢
اتَّبَعْتَ أَهْواءَهُمْ مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذاً لَمِنَ الظَّالِمِينَ
( البقرة ) ، إخبار بأنهم يعلمون ذلك ، وأن الحق ليس معهم في مماراتهم للمسلمين حول تحويل القبلة عن بيت المقدس ، بنزول الأمر للمسلمين بالانصراف عن استقبال بيت المقدس إلى الكعبة ، فبيت المقدس كقبلة لم يكن فرضا على اليهود ، ولا على النصارى ، وإنما كان اليهود إذا صلوا يصلون فرادى أو جماعات إلى أي اتجاه ، وغالبا ناحية المشرق ، وإذا كانت هناك خيمة شهادة أو تابوت الشهادة استقبلوهما كما قلنا سابقا ، وصلاتهم دعاء ، إلا ما علّم المسيح النصارى فيما يسمونه الصلاة الربّانية والتي يبدءونها بالدعاء : « أبانا الذي في السماوات » ، فهذا هو ما يعلمه اليهود والنصارى أنه الحق من ربّهم : « أن التوجه لبيت المقدس ليس فرضا » . فإذا كان الأمر كذلك ، فلما ذا ينتقدون المسلمين لمّا نزل عليهم تحويل القبلة عن بيت المقدس إلى الكعبة ؟ وكانوا يعلمون أن اللّه لم يقرر بيت المقدس كقبلة للمسلمين ، وأن محمدا صلى اللّه عليه وسلم قرره على المسلمين باجتهاده ولم يكن راضيا رغم ذلك ، وكان يرفع رأسه إلى اللّه يدعوه ويبتهل له أن يلزم المسلمين بقبلة تخصّهم ، وأن يأتي الأمر منه تعالى بذلك ، وهذا كله كان يعرفه أهل الكتاب ، ويعلمون أنه الحق من ربّهم ، لا انتحال فيه ولا اعتذار . وهذا الأمر من اللّه بالقبلة حدث لأول مرة في تاريخ الديانات ، ولم تسبق إليه ديانة قبل الإسلام ، ونبّه إلى ذلك الرسول صلى اللّه عليه وسلم فقال : « حسدتكم اليهود على القبلة » ، ونزل به القرآن فقال :
الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقاً مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ
( 146 ) ( البقرة ) ، فهذا الذي يعرفونه كأبنائهم هو أن بيت المقدس لم تكن قبلة بمعنى القبلة ، وأن القبلة بالمعنى الإسلامي شئ جديد تماما ، ولكن اليهود كدأبهم ظلوا يمارون ويجحدون ويجادلون بالباطل ، وكتموا الحق وهم يعلمون أنهم يكتمون الحق ، ومثل ذلك حدث معهم لما أنكروا الرجم في التوراة ، فشهد عليهم بالكذب عبد اللّه بن سلام ، وكان يهوديا وأسلم ، وفي ذلك نزل القرآن :
وَشَهِدَ شاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ عَلى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ
( 10 ) ( الأحقاف ) . * * *

1953 - ( استقبال الكعبة هو الحق لا مراء فيه )

يقول تعالى مخاطبا النبىّ صلى اللّه عليه وسلم ، وإنما حقيقة الخطاب لأمة محمد ، يطمئنهم أن الكعبة كقبلة هي الحق من عند اللّه وليس بيت المقدس :
الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ
( 147 ) ( البقرة ) ، والامترار في الشيء هو الشك فيه ، وكذا التمارى ، والممترون هم الشاكون ، والمرية هي الشك . وفي الآية أن الامتراء يمكن أن يحدث بإصرار اليهود بادعائهم العلم وتلبيسهم على من يستمع إليهم . * * *