حُجُورِكُمْ مِنْ نِسائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ وَحَلائِلُ أَبْنائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا ما قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللَّهَ كانَ غَفُوراً رَحِيماً
( 23 ) ( النساء ) ، فما جرى في الجاهلية من الجمع بين أكثر من أربع ، أو الزواج من أي من هؤلاء المحرّمات ، نكاحه صحيح ، ولهذا لم يطلّق النبىّ صلى اللّه عليه وسلم من زاد من زوجاته على الأربع . وقوله
ذلِكَ أَدْنى أَلَّا تَعُولُوا
( النساء 3 ) بعد قوله :
فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَواحِدَةً
( النساء 3 ) ، دليل على أن اللّه تعالى مع الزواج من واحدة ، ومعنى « ألا تعولوا » : أن تعجزوا أن تعولوا كثرة الأولاد نتيجة لكثرة الزوجات ، ومثله قوله تعالى :
وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً
( التوبة 28 ) والعيلة هي الفقر . وقد فسّرت عائشة « ألا تعولوا » فقالت : ألّا تميلوا » ، فالذي يعدّد الزوجات يخشى له أن يكثر عياله ويشكو الفقر ، ولا يحسن تربيتهم ، وليس من العدل إذن أن تكثر زوجاته ، ومن تكثر زوجاته يخشى له أن لا يعدل بينهن ، فيجور عليهن ، ولا يفلح أن يرضى أيا منهن ، والقرآن بلا شك مع الواحدة ، والواحدة كثير لو كان الرجل من المقسطين حقا كما كان بشر بن الحارث . وأيضا فإن البعض قد يذهب إلى تفسير مثنى وثلاث ورباع ، أن الرجل قد يتزوج واحدة ثم يطلقها ليتزوج بأخرى ، فله أن يفعل ذلك أربع مرات لا غير ولا يزيد عن ذلك ، ومثله يتسبب في إفساد حياة من يطلق وتشريد الأطفال ، واستحداث الفرقة والنفرة بين العائلات من أبنائه وأصهاره ، والزواج ليس من المسائل الشخصية ، ومن الخطأ أن يدرج ضمن ما يقال له الأحوال الشخصية ، وإنما الزواج مؤسسة اجتماعية ، ومن حقّ الدولة تنظيمه ، وعلى الفرد أن ينصاع لما تراه الدولة والمجتمع والعرف ، ولما يقضى به العقل ، ولما يقتضيه التحضّر ، وكل ذلك لا يتحقق إلا بالزواج من واحدة وتقييد عدد مرات الزواج طوال العمر ، ولنا في رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أسوة ، فقد أمره اللّه تعالى أن يكفّ عن الزواج من بعد ، فقال :
لا يَحِلُّ لَكَ النِّساءُ مِنْ بَعْدُ وَلا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْواجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ
( الأحزاب 52 ) . وأمّا أنه استبقى تسعا من زوجاته ولم يحتفظ بأربع ويطلق خمسا منهن ، إعمالا للنصّ الذي ينهى عن جمع أكثر من أربع زوجات ، ففضلا عن أنهن كن مما سلف ، فإن السبب الأهم أن اللّه تعالى حرّم على المسلمين الزواج من زوجاته من بعده ، ومعنى « من بعده » سواء من بعد أن يطلقهن لو حدث وطلّق إحداهن ، أم من بعد وفاته ، وبناء عليه لم يكن هناك إلا استبقاء التسع زوجات حتى لا يؤذيهن الطلاق لو حدث ، فالطلاق جعل للتفريق بين زوجين لا يتوافقان ، ولتتاح الفرصة لكليهما أن يجد حظه مع زوج أو زوجة أخرى ، لا يكون معها أو تكون معه على الوفاق المنشود الذي حرمه أو حرمته مع الزوجة السابقة أو الزوج السابق . وزوجات الرسول صلى اللّه عليه وسلم لن يتزوجهن أحد من بعده ، وليس من سبيل من ثمة إلا أن يستبقيهن زوجات ، وذلك إذن