تخطي إلى المحتوى الرئيسي

موسوعة القرآن العظيم — صفحة 1855

مساهمون:

ص١٨٥٥
والأعمار ؛ وفي الاقتصاد منافع كثيرة ، والبهرجة في الثياب محل نقد ومضيعة للمال ، وكثرة الأكل كظّ المعدة ونتن التّخمة ، وفي الأثر : « جوعوا تصحّوا » ، والجوع بمعنى أن لا نأكل إلا عن جوع ، لأن من الناس من يأكل عن شره ، وقلّة الأكل يصحّ بها الجسم ، ويجود بها الحفظ ، ويزكو بها الفهم ، ويعتدل بها النوم ، وينصلح المزاج ، ومن الأقوال المأثورة عند أهل الإسلام : « أكبر الدواء تقدير الغذاء » ، لأن الأكل الكثير تتولد منه الأمراض ، ومن أقوال أهل الطب في الإسلام : قل لي ما ذا تأكل ، أقل لك ما الذي سيصيبك من أمراض » ، وفي حديث الرسول صلى اللّه عليه وسلم ما يغنى عن كل كلام للأطباء ، قال : « ما ملأ آدمىّ وعاء شرا من بطن ، بحسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه ، فإن كان لا محالة فثلث لطعامه ، وثلث لشرابه ، وثلث لنفسه » ، ولو سمع أبو الطب أبقراط هذه القسمة لعجب من هذه الحكمة ، والعلم علمان : علم الأديان وعلم الأبدان ، وعند المسلمين لا تعارض بين العلمين ، ومن أقوال علىّ بن أبي طالب : إن اللّه تعالى قد جمع الطب كله في نصف آية من القرآن ، قال :
وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا
( الأعراف 31 ) ، وجمع الرسول صلى اللّه عليه وسلم الطب كله في ألفاظ يسيرة فقال : « المعدة بيت الداء ، والحمية رأس كل دواء » ، والحمية من حمى المريض إذا منعه عما يضرّه . وفي الطب الإسلامي : معالجة المريض نصفان ، نصف دواء ، ونصف حمية » ، فإذا اجتمع النصفان برأ المريض وصحّ ، وإلا فالحمية به أولى ، لأنه لا ينفع دواء مع ترك الحمية ، وعلى العكس - قد تنفع الحمية مع ترك الدواء ، ومن أقوال الرسول صلى اللّه عليه وسلم يوجز الطب كله : « أصل كل دواء الحمية » ، يعنى لا تداوى من غير حمية ، والحمية فيها الغناء عن كل دواء ، وأطباء النفس اليوم من أهل الإسلام ، من غير تلاميذ المبشّرين ، كثيرا ما يعالجون الناس بالحمية ، والحمية من الطب الإسلامي البدني والنفسي : بمنع المريض من الأكل والشرب والكلام عدة أيام أقلها ثلاثة أيام ، غالبا فيبرأ بإذن اللّه ويصحّ ، والعلاج بالامتناع عن الكلام من تعاليم القرآن مثلما العلاج بحمية الأكل والشرب ، ومن ذلك قوله تعالى لزكريا :
أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ
( 41 ) ( آل عمران ) ، وقوله تعالى عن مريم :
إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمنِ صَوْماً فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا
( 26 ) ( مريم 26 ) وفي عدم الكلام اختزان للطاقة النفسية ، وتوفير لها ، وتوجيهها لمطلب العلاج ، وتجنيب للنفس الدخول في المهاترات ، ثم إنه توطين لها أن تسكن وتطمئن ، وتؤمن بربّها وتسلّم نفسها إليه تعالى . وأقل مدة للصوم عن الكلام من يوم إلى ثلاثة ، ويصحّ أكثر من ذلك ، وقد صام موسى عن الكلام أربعين يوما ، كقوله تعالى :
وَإِذْ واعَدْنا مُوسى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً
( البقرة 51 ) والحمية إذن تكون من الطعام ومن الكلام . وفي الحديث : « الكافر يأكل في سبعة أمعاء والمؤمن يأكل في معي واحد » أخرجه مسلم ، والمعنى : أن المؤمن يتناول الطعام دون شبع ، وقد يوجد