وهي صيغة استعاذة كانت في الجاهلية ، كقولنا بعد الشرّ ، بمعنى نعوذ باللّه منكم أو من الشر ، فكان إذا لقى الرجل من يخافه يقول : حجرا محجورا . وفي قوله تعالى :
وَقالُوا هذِهِ أَنْعامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ
( 138 ) ( الأنعام ) ، قيل : الحاء ثلاثية وفيها الكسر والفتح والضم ؛ وقيل : إن الحجر لغة في الحرج وهو الضيق والإثم ، فيكون معناه الحرام ، ومنه فلان يتحرّج أي يضيّق على نفسه الدخول فيما يشتبه عليه من الحرام . ويسمى العقل حجرا لمنعه من القبائح كقوله تعالى :
هَلْ فِي ذلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ
( 5 ) ( الفجر ) ، ويقال : فلان في حجر القاضي ، أي في حماه ، وحجرت على الصبى حجرا ، أي منعته التصرف . وقوله : « وحرث حجر » هو الحرث المحرّم على الناس ، لا يطعمونه إلا من يشاءون . والحجر اسم السورة الخامسة عشرة من القرآن ، وأصحاب الحجر فيها هم قوم صالح ، وكانوا بين الحجاز والشام ، وقيل أرضها أرض سخط لا تجوز الصلاة فيها ، غير أن الصلاة للمسلمين جائزة في كل أرض ، والرسول صلى اللّه عليه وسلم يقول : « وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا » ، ولما بنى مسجده صلى اللّه عليه وسلم الذي أسّس على التقوى بناه في مقبرة للمشركين .
والحجر بالمعنى الاصطلاحي بالفتح غالبا ، وهو منع الإنسان من التصرف في ماله لسبب شرعي ، كقوله تعالى :
وَلا تُؤْتُوا السُّفَهاءَ أَمْوالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِياماً وَارْزُقُوهُمْ فِيها وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفاً ( 5 ) وَابْتَلُوا الْيَتامى حَتَّى إِذا بَلَغُوا النِّكاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ
( 6 ) ( النساء ) ، فبيّنت الآية أن السفيه ، وغير البالغ ، لا يجوز دفع مالهما إليهما ، ودلّت على ثبوت الوصىّ والولىّ والكفيل . والسفهاء : هم كل من يستحق الحجر ، ولهم أحوال ، فحال يحجر على السفيه لصغر سنّه وقلّة إدراكه وخبرته ؛ وحال لعدم عقله بجنون أو غيره ، وحال لسوء نظره لنفسه في ماله . ويكون الحجر مرة في حق الإنسان ، ومرة في حق غيره ، فأما الذي في حق نفسه كالصغير والمجنون فلا خلاف في الحجر عليهما ؛ والكبير الذي لا يحسن النظر لنفسه في ماله ، ولا يؤمن منه إتلاف ماله في غير وجه ، وهو في ذلك أشبه بالصبي ، ولا فرق بين أن يتلف ماله في المعاصي أو في القرب والمباحات . والمديان ينزع ما بيده لغرمائه ، وقد فعل عمر ذلك بأسيفع جهينة .
والجاهل بالأحكام لا يدفع إليه المال لجهله بفاسد البيانات وصحيحها ، وما يحل وما يحرم منها . وقيل : إن المرأة ذات الزوج محجور عليها لحق الزوج ، وللحديث بشأنها : « لا يجوز لامرأة ملك زوجها عصمتها قضاء في مالها إلا في ثلثه » ، والكلام في الحديث عن المرأة غير المتعلمة والتي ليست لديها خبرة بالحياة . وقيل : إن البكر ما دامت في الخدر محجور عليها لقلة خبرتها ، وعدم درايتها ، ولأنها لا تحسن النظر لنفسها . وأثبتت الآية :
فَإِنْ كانَ الَّذِي