تخطي إلى المحتوى الرئيسي

موسوعة القرآن العظيم — صفحة 989

مساهمون:

ص٩٨٩
إقرار بارتكابه ذنب القتل ، بمطاوعة من استغاثة من قومه ، كقوله تعالى :
فَاسْتَغاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسى فَقَضى عَلَيْهِ
( القصص 15 ) ، فهذا الذي استغاثه من قومه مجرم بطبعه ، وله باع في الإجرام ، ووصفه موسى فقال :
إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ
( 18 ) ( القصص ) ، لأنه بسببه قتل بالأمس رجلا ، وفي اليوم التالي دعاه ليقتل آخر ، و « الغوىّ » من أغوى أي يضلّ ، فلما عاتبه موسى ظن أنه سيقتله ، وكان موسى يتهيأ ليبطش بعدوهما ، ولكن هذا الغوىّ قال له أمام عدوه وقد أفشى سرّه :
أَ تُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَما قَتَلْتَ نَفْساً بِالْأَمْسِ
( القصص 19 ) ، وهنا أقسم موسى أن لا يظاهر أمثاله من المجرمين ، أي لا يساندهم ويصاحبهم وينصرهم ، فالقاعدة الشرعية والأخلاقية أن لا نعين الظالمين ، وفي الحديث : « ينادى مناد يوم القيامة : أين الظلمة وأشباه الظلمة وأعوان الظلمة ، حتى من لاق لهم دواة ، أو برى لهم قلّما ، فيجمعون في تابوت من حديد ، فيرمى بهم في جهنم » . وعن النبىّ صلى اللّه عليه وسلم أنه قال : « من مشى مع مظلوم ليعينه على مظلمته ثبّت اللّه قدميه على الصراط يوم القيامة ، يوم تزلّ فيه الأقدام ، ومن مشى مع ظالم ليعينه على ظلمه ، أزلّ اللّه قدميه على الصراط يوم تدحض فيه الأقدام » وفي الحديث : « من مشى مع ظالم فقد أجرم » ، ولا يكون المشي مع الظالم جرما إلا إذا مشى بقصد أن يعينه على ظلمه ، وموسى لم ينتصر لمن هو من شيعته لأنه عنصرى متعصب ، ولكنه ظن لأول وهلة أنه مظلوم ، فلما تبيّن له أنه ظالم انصرف عنه كقوله تعالى :
وَلا تَعاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ
( المائدة 2 ) ، فاحذر يا أخي أن تظن بموسى السوء ، وتوصيف الحادثة هو : « ضرب أفضى إلى الموت » وليس قتلا عمدا . * * *

817 . موسى يشفق مما لا يشفق منه غيره

لم يكن موسى جبارا ، قيل لا يكون الإنسان جبّارا حتى يقتل نفسا بغير حق ، وموسى لم يقتل الآخر إلا خطأ فقد وكزه كقوله تعالى :
فَاسْتَغاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسى فَقَضى عَلَيْهِ
( القصص 15 ) ، والوكز واللّكز واللّهز واللّهد بمعنى واحد ، واللكز يكون في الوجه ، والوكز يكون على القلب ، وقيل : اللكز الضرب بجمع اليد في الصدر مثل اللّكز ، وقيل : وكزه أي ضربه ودفعه لا يريد قتله فإن مات فليس من الوكزة نفسها ، وهو معنى فقضى عليه ، ولكنه لم يقتله عمدا مريدا للقتل ، وفي الحديث : « وإنما قتل موسى الذي قتل من آل فرعون خطأ فقال اللّه عز وجل :
وَقَتَلْتَ نَفْساً فَنَجَّيْناكَ مِنَ الْغَمِّ وَفَتَنَّاكَ فُتُوناً
( طه 40 ) ، وتجربة أن يكون قاتلا ، وتطارده السلطة ، ويخشى على نفسه ، ويستشعر أنه ظلم من قتل ، كل ذلك كان فتنة له واختبارا ، وهذا هو مقصود الآية :