تخطي إلى المحتوى الرئيسي

موسوعة القرآن العظيم — صفحة 935

مساهمون:

ص٩٣٥
طريقها ، واضطر إبراهيم أن يأخذها وابنها بعيدا عن سارة وحيثما كانت ترعى غنمه ، وبلغ بهما أرض فاران - مكة وما حولها ، وهناك عند البيت هيّأ لهما سكنا ، عند دوحة - أي شجرة ، فوق مكان زمزم المفترض ، وليس بمكة يومئذ بيت ولا علامة بيت ، وليس بها أحد ، ولا ماء ، فوضعهما هناك ، وابنه ما يزال رضيعا ، ووضع عندهما جرابا فيه تمر ، وسقاء فيه ماء ، ثم عاد إبراهيم أدراجه منطلقا إلى حيث بيته الآخر : بيت سارة ، فتبعته أم إسماعيل ، فقالت : يا إبراهيم ، أين تذهب وتتركنا بهذا الوادي الذي ليس فيه إنس ولا شئ ؟ قالت له ذلك مرارا ، وجعل لا يلتفت إليها ، فقالت له : أأللّه أمرك بهذا ؟ قال : نعم . قالت : إذا لا يضيعنا ! ثم رجعت . فانطلق إبراهيم حتى إذا كان عند الثنية حيث لا يرونه ، استقبل بوجهه البيت ثم دعا بهذه الدعوات رافعا يديه ، فقال :
رَبَّنا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَراتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ
( 37 ) ( إبراهيم ) . وجعلت أم إسماعيل ترضع إسماعيل ، وتشرب من ذلك الماء حتى إذا نفد في السقاء عطشت ، وعطش ابنها ، وجعلت تنظر إليه يتلوى ، فانطلقت كراهية أن تنظر إليه ، فوجدت الصفا أقرب جبل في الأرض يليها ، فقامت عليه واستقبلت الوادي تنظر هل ترى أحدا ، فلم تر أحدا ، فهبطت من الصفا ، حتى إذا بلغت الوادي رفعت طرف درعها ثم سعت سعى الإنسان المجهود ، ثم جاوزت الوادي ، ثم أتت المروة فقامت عليه ، فنظرت هل ترى أحدا ، وفعلت ذلك سبع مرات . قال ابن عباس : قال النبىّ صلى اللّه عليه وسلم : « فذلك سعى الناس بينهما » . فلما أشرفت على المروة سمعت صوتا فإذا بالملك عند موضع زمزم فبحث بعقبه حتى ظهر الماء ، فجعلت تحوضه بيديها وتغرف منه في سقائها ، وهو يفور بعد ما تغرف . والماء مقام الغذاء ، وزمزم هو الماء بين المالح والعذب ، فإذا تواجد الماء تأسّس الحال وتمهّد المقام ، وخطّ الموضع للبيت المكرّم ، وللبلد المحرّم . وماء زمزم اجتزأ به أبو ذرّ ثلاثين يوما وليلة ما كان له طعام سواه ، قال : « فسمنت حتى تكسرت عكنى » أي صارت له ثنيات في بطنه . وفي الحديث : « ماء زمزم لما شرب له . إن شربته تشتفى به ، شفاك اللّه . وإن شربته لشبعك ، أشبعك اللّه به . وإن شربته لقطع ظمئك قطعه اللّه » . وقول إبراهيم « ومن ذريتي » ، « من » للتبعيض ، أي أسكنت بعض ذريتي ، يعنى إسماعيل وأمه ، لأن إسحاق كان بالشام . « وعند بيتك المحرّم » يدل على أن البيت كان أقدم من إبراهيم ، فلم يكن إبراهيم بانيه ولكنه جدّده ، ولو كان هو الذي بناه لنسبه إلى نفسه ، ولكنه نسبه إلى اللّه ، فنعلم أن البيت للّه ولم يكن لإبراهيم ، وأنه « محرّم » ، يعنى له حرمة وقدسية تختص به وليس كغيره من بيوت اللّه . « وليقيموا الصلاة » ، خصّها