( الحج ) ، وسبقهم إلى التكذيب لأنهم
كانُوا قَوْماً فاسِقِينَ
( 46 ) ( الذاريات ) ، وكانوا
أَظْلَمَ وَأَطْغى
( 52 ) ( النجم ) ، أي كانوا أظلم وأطغى من كل أقوام قبلهم أو بعدهم ، وأكفر من مشركي قريش ، قال ذلك تسلية وتعزية للنبىّ صلى اللّه عليه وسلم ، وكأنه يقول له : فاصبر أنت أيضا فالعاقبة الحميدة لك ، وكأنه يقول ذلك للمسلمين من بعد في كل زمان ومكان . وقوم نوح قالوا في نوح :
مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ
( 9 ) ( القمر ) واتهموه بفقدان العقل لمّا تجرّأ أن يدعوهم إلى اللّه ، قال :
يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ
( 59 ) ( الأعراف ) ، فزجروه عن دعوة النبوة بالسبّ والوعيد بالقتل والرجم ، قالوا :
لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يا نُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ
( 116 ) ( الشعراء ) ، واشتهرت دعوة نوح لأن دعوته كانت أول دعوة إلى الناس كافة ، وبهذه الصفة كان أول نبىّ بعث ، وقيل كان مبعثه وهو ابن أربعين أو خمسين ، وقيل : كان ابن ثلاثمائة وخمسين ؛ وبقي في قومه :
« أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عاماً
( العنكبوت 14 ) ، قال :
يا قَوْمِ إِنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقامِي وَتَذْكِيرِي بِآياتِ اللَّهِ فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكاءَكُمْ ثُمَّ لا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلا تُنْظِرُونِ
( 71 ) ( يونس ) ، فكأنه استشعر طول مقامه بينهم ، ولبثه فيهم ، وتذكيره وتخويفه لهم بآيات اللّه ، حتى ملّوه وزهدوه ، وعزموا على طرده أو قتله ، فقال : فعلى اللّه توكلت - وهذا جواب الشرط ، وما كان إلا متوكلا على اللّه في كل حال ، ولكنه بيّن أنه متوكل في هذا على الخصوص ، ليعرف قومه أن اللّه يكفيه أمرهم ، فإن لم ينصروه فأمره وأمرهم إلى اللّه ، وليحرموا شركاءهم وليظهروا ما في نيّتهم ولا يخفوه ، وليمضوا إليه ولا يتأخرون ، وهو دليل على أنه لم يكن يخشاهم ، وكان واثقا بنصر اللّه ، ولم يخف كيدهم ، لأنه يعرف أنهم وآلهتهم لن ينفعوه ولن يضروه بشيء لم يرده له اللّه ، وهو موقف لنوح فيه تعزية للنبىّ صلى اللّه عليه وسلم ، وتقوية للمؤمنين ولأمة الإسلام ، وقال :
فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَما سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ
( 72 ) ( يونس ) ، فما كان ذلك إلا ليزيدهم فرارا منه وكان جوابهم عليه :
يا نُوحُ قَدْ جادَلْتَنا فَأَكْثَرْتَ جِدالَنا فَأْتِنا بِما تَعِدُنا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ ( 32 ) قالَ إِنَّما يَأْتِيكُمْ بِهِ اللَّهُ إِنْ شاءَ وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ ( 33 ) وَلا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ
( 34 ) ( هود ) ، والإشارة إلى طول مدة دعوته وكانت نحو تسعمائة سنة ، وخلالها كثر الجدل بين نوح والمكذّبين ، والجدل : هو المبالغة في الخصومة ، مشتق من الجدل وهو شدة القتل . والجدل في الدين محمود ، ولهذا جادل نوح والأنبياء أقوامهم ، وأما الجدال فهو لغير الحق ، ومقصوده إظهار الباطل في صورة الحق ، والجدال مذموم في الدين . وسمّى نوح دعوته نصحا ، والنصح