تخطي إلى المحتوى الرئيسي

موسوعة القرآن العظيم — صفحة 859

مساهمون:

ص٨٥٩
العمال والموظفين أنهم إذا اجتمعوا غلبوا ، وإذا تفرّقوا لم يعرفوا . وقوله :
وَما نَراكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَراذِلُنا بادِيَ الرَّأْيِ
( هود 27 ) ، وبادي الرأي يعنى : فيما يبدو من الرأي ، أو في أول الرأي ، يعنى اتّبعوه إعجابا بظاهر ما قال أولا ، ولو أمعنوا النظر والفكر لم يتّبعوه . وقال نوح :
يا قَوْمِ أَ رَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَ نُلْزِمُكُمُوها وَأَنْتُمْ لَها كارِهُونَ ( 28 ) وَيا قَوْمِ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مالًا إِنْ أَجرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَما أَنَا بِطارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ وَلكِنِّي أَراكُمْ قَوْماً تَجْهَلُونَ ( 29 ) وَيا قَوْمِ مَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ طَرَدْتُهُمْ أَ فَلا تَذَكَّرُونَ ( 30 ) وَلا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ وَلا أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْراً اللَّهُ أَعْلَمُ بِما فِي أَنْفُسِهِمْ إِنِّي إِذاً لَمِنَ الظَّالِمِينَ
( 31 ) ( هود ) ، واستفهام نوح بمعنى الإنكار ، فلقد زعموا أنه على الباطل ، فسألهم : لو حدث وكان على الحق ، وكان على بيّنة من ربّه ؟ ولم يروا بيّنته ، ولم يفهموا براهينه ، وعموا عن رسالته ، فهل كان مع كل ذلك يلزمهم إيمان ، وأن يشهدوا أن لا إله إلا اللّه ؟ وهل كان يوجبها عليهم ؟ ومضمون كلامه أن يردّ عليهم : أنه لا يصحّ قبولهم لرسالته مع الكراهة عليها ، وهذا ردّ أيضا على مشركي العرب ، ومشركي هذه الأيام ، فلا إكراه في الدين ، وهذا مبدأ أصولي من مبادئ الإسلام . والمستضعفون لم يكرههم أحد على الإيمان ، سواء في الدين أو في الثورات ، ولم يحدث أن طرد نبىّ ولا مصلح المستضعفين من جماعته لأنهم مستضعفون ، إلا أحزاب الأغنياء ، وديانات الأثرياء ، ومنها أحزاب الديموقراطيين ، وأحزاب الوطنيين ، وديانتا النصارى واليهود ، فأعضاؤهم وأتباعهم من أصحاب الثراء والجاه والسلطان ، ولهم الأشياع ، وأما الإسلام فكان - كما قال نوح - « ديانة المنبوذين والأراذل والفقراء والمستضعفين » ، ودعوة الأغنياء والأثرياء ورجال المال والأعمال بطرد العمال والفلاحين وإلغاء نسبة تمثيلهم في أية برلمانات هي دعوة من يجهلون ، والحال مع هؤلاء كحال نوح مع قومه لما نصحهم وظل يدعوهم وما من مجيب ، يقول تعالى :
وَأُوحِيَ إِلى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ فَلا تَبْتَئِسْ بِما كانُوا يَفْعَلُونَ ( 36 ) وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنا وَوَحْيِنا وَلا تُخاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ
( 37 ) ( هود ) ، ومعنى الآية استدامة كفرهم ، فدعا عليهم لمّا أخبر بهذا .
قالَ نُوحٌ رَبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي وَاتَّبَعُوا مَنْ لَمْ يَزِدْهُ مالُهُ وَوَلَدُهُ إِلَّا خَساراً ( 21 ) وَمَكَرُوا مَكْراً كُبَّاراً
( 22 ) ( نوح ) ، وكان يرجو أن يأتي من نسلهم من يؤمن ، فمع طوال عمره وقصر أعمارهم ، ظل يرجو في الأبناء بعد الآباء ، والناس غالبا - كما بيّنا - تتبع الأغنياء والكبراء والمترفين ، وهؤلاء هم أصل الشرّ