تخطي إلى المحتوى الرئيسي

موسوعة القرآن العظيم — صفحة 827

مساهمون:

ص٨٢٧

692 . سورة النصر

السورة مدنية ، وهي آخر ما نزل من السور ، وكان نزولها في منى في حجّة الوداع بعد أيام التشريق ، تبشّر النبىّ صلى اللّه عليه وسلم بفتح مكة ، ولذلك سميت سورة الفتح ، ولأن البشارة فيها كانت بالنصر فسميت « سورة النصر » . فلما فتحت مكة صار العرب يقدمون إلى النبىّ صلى اللّه عليه وسلم أفواجا أفواجا يعلنون إسلامهم ، وأمره اللّه إذا وجد ذلك وفتح عليه ، أن يستغفره ويتوب إليه . وتساءل المستشرقون والمشركون : لا بد أنه أذنب قبل الإسلام وبعده وإلّا فلما ذا يؤمر بالاستغفار ؟ والجواب : الاستغفار كان دأبه صلى اللّه عليه وسلم ، فكان يدعو : ربّ اغفر لي خطيئتي وجهلي وإسرافى في أمرى كله ، وما أنت أعلم به منى . اللهم اغفر لي خطئى وعمدى ، وجهلي وهزلى ، وكل ذلك عندي . اللهم اغفر لي ما قدّمت وما أخّرت ، وما أعلنت وما أسررت ، أنت المقدّم وأنت المؤخّر ، إنك على كل شئ قدير » . أخرجه البخاري ، فكأنه كان يستقصر نفسه لعظم ما أنعم اللّه عليه ، وكان يرى قصوره عن القيام بحق الشكر فيستغفر ، والاستغفار تعبّد يجب إتيانه ، ليس طلبا للمغفرة وإنما تعبدا ، وهو تنبيه لأمة الإسلام حتى لا تترك الاستغفار . فإذا كان النبىّ صلى اللّه عليه وسلم - وهو المعصوم - يؤمر بالاستغفار فما الظن بغيره ؟ وفي رواية للبخاري عن عائشة : أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم كان يكثر بعد نزول هذه الآية - أن يقول في ركوعه وسجوده : « سبحانك اللهم ربّنا وبحمدك . اللهم اغفر لي » ، وفي رواية أخرى قالت : كان يكثر في آخر أمره من قول : « سبحان اللّه وبحمده استغفر اللّه وأتوب إليه » ، وكان يقول : « إن ربّى كان أخبرني أنى سأرى علامة في أمّتى ، وأمرني إذا رأيتها أن أسبّح بحمده وأستغفره إنه كان توّابا ، فقد رأيتها :
إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ ( 1 ) وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْواجاً ( 2 ) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كانَ تَوَّاباً
( 3 ) . وفي رواية أم سلمة قالت : كان النبىّ صلى اللّه عليه وسلم آخر أمره لا يقوم ولا يقعد ، ولا يجيء ولا يذهب ، إلا قال : سبحان اللّه وبحمده ؛ استغفر اللّه وأتوب إليه - فإني أمرت بها » . وفي رواية أبي هريرة قال : اجتهد النبىّ صلى اللّه عليه وسلم بعد نزول سورة الفتح حتى تورّمت قدماه ، ونحل جسمه ، وقلّ تبسّمه ، وكثر بكاؤه » . وقيل : إنه ما كان قط أشد اجتهادا في أمور الآخرة ما كان منه عند نزولها - أي نزول سورة النصر . ولما نزلت سورة النصر ، قرأها على أصحابه ففرحوا واستبشروا ، إلا العباس فإنه بكى ، وسأله النبىّ صلى اللّه عليه وسلم : « ما يبكيك يا عمّاه ؟ قال : نعيت إليك نفسك ! » فكأن السورة كانت علامة تؤذنه بحضور أجله ، وأسرّ بذلك لعائشة . وقيل إنه بعد نزولها ، نزلت :
الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي
( 3 ) ( المائدة ) فعاش بعدها ثمانين يوما ، ثم نزلت آية الكلالة ،