تخطي إلى المحتوى الرئيسي

موسوعة القرآن العظيم — صفحة 801

مساهمون:

ص٨٠١
يكون عيشها في الحياة بحسب ما خلقها اللّه ، فالصانع أعرف بما صنع ، وبما يصلحه ؛ وعقر النفس : هو ذبحها بالعصيان والكفر ، واتباع الهوى ، والميل عن الحق ، والأخذ بالطغيان ، والإنسان « حرّ » إزاء الخير والشر ، والحق الباطل ، والإيمان والكفر ، وله أن « يختار » أيهما ، فحينئذ يكون قد « اختار في حرية » ، ويصير « مسؤولا عن اختياره » ، فإذا جوزي بالعقاب ، فهو عن جدارة ، وعقاب اللّه هو العقاب ، واللّه يسأل عباده ولا يسأل ، وينزل العقاب بالمسىء ولا ينزّل به عقاب سبحانه ، لأنه تعالى الحق : فلمّا كان اللّه كانت القيم . وفائدة السورة : أن من يطهّر نفسه عن الذنوب والعيوب ، والأعواض والأغراض ، ويبعدها عن الاعتراض ، فإنه يتطهّر ويرقى ويفوز ، وهو « الإنسان » حقا وصدقا ؛ ومن يخون قانون صنعة نفسه ، ويدنّس طبيعتها ، ويهمل المعاني ويزدرى القيم ، وتستغرقه المظالم إلى حدّ أن يغرق سفينة نفسه في بحر الشقاء ، فهو الخائب . ومن مصطلحات السورة :
ثَمُودُ بِطَغْواها
( 11 ) ذهبت مثلا ، كأن نقول : « أمريكا بطغواها » أو « إسرائيل بطغواها » ؛ وفي قوله :
إِذِ انْبَعَثَ أَشْقاها
( 12 ) وروى أن الرسول صلى اللّه عليه وسلم سأل : « أتدرون من أشقى الأوّلين ؟ » وأجاب « عاقر الناقة » . قيل : كان اسمه قدار بن سالف ، فصار مثلا عند أهل علم النفس الإسلامي ، لأنه عقر نفسه التي هي ناقة اللّه ، وقلّده قومه فعقروا نفوسهم مثله لمّا وافقوه على رأيه وفعله . وفي الأدب السياسي الإسلامي يضرب بعاقر الناقة المثل للطاغية ، وقوله تعالى :
فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَتَقْواها
( 8 ) وإلهام النفس هو تعليمها التمييز بين الخير والشرّ ، وإرشادها . والآية جواب على الجبرية والقدرية الذين يقولون يأن الإنسان لا يفعل إلا ما قدّره اللّه له وقضى به ، وأنه مجبور عليه . وكان النبىّ صلى اللّه عليه وسلم يرجع إلى هذه الآية والسورة كلها في دعائه : « اللهم آت نفسي تقواها ، وزكّها أنت خير من زكّاها ، أنت وليّها ومولاها » . وفي الرواية عن عائشة أنها افتقدت النبىّ صلى اللّه عليه وسلم من مضجعه فلمسته بيدها في الظلام ، فوقعت عليه وهو ساجد يدعو : « ربّ أعط نفسي تقواها ، وزكّها أنت خير من زكّاها ، أنت وليّها ومولاها » أخرجه أحمد . وفي سورة « الشمس » تكثر المتقابلات ، ومنهج القرآن هو منهج يقوم على الجدل بالمتقابلات ، والسورة نموذج لهذا المنهج الجدلي ، أو منهج المتقابلات ، كقوله : الشمس كمقابل للقمر ، والفجور كمقابل للتقوى ، وقوله :
وَالنَّهارِ إِذا جَلَّاها
( 3 ) ، كمقابل لقوله :
وَاللَّيْلِ إِذا يَغْشاها
( 4 ) وقوله :
قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها ( 9 ) وَقَدْ خابَ مَنْ دَسَّاها
( 10 ) ، واللّه أعلم ، وله الحمد والمنّة . * * *
موسوعة القرآن العظيم — صفحة 801 | عبد المنعم الحفني