تخطي إلى المحتوى الرئيسي

موسوعة القرآن العظيم — صفحة 804

مساهمون:

ص٨٠٤
صلى اللّه عليه وسلم مدة طالت قليلا ، فقال المشركون : إن محمدا ودّعه ربّه وقلاه ! ولو كان أمره من اللّه لتابع عليه كما كان يفعل بمن كان قبله من الأنبياء ! فنزلت هذه السورة تقول :
وَالضُّحى ( 1 ) وَاللَّيْلِ إِذا سَجى ( 2 ) ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَما قَلى ( 3 ) وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولى ( 4 ) وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى
( 5 ) وتتناول النبىّ صلى اللّه عليه وسلم وشخصيته ، وما آثره اللّه به ، وما أنعم عليه من الفضل في الدنيا والآخرة . والسورة أجزاء تترى وتتكامل ، ففي الجزء الأول : يقسم اللّه تعالى على جلال قدر نبيّه بالضحى ، وبالليل إذا سجى ، وكلاهما من الزمان ، وهما آيتان من آياته العجيبة والعظيمة ، فربما أن المعنى : أنه تعالى على مرّ الأيام وكرّ الليالي لن يودّع محمدا ، ولن يقليه أي يبغضه ، وربما المعنى : أنه مثلما الليل الساجي ، والضحى يكون أول النهار وفيه الهدأة والسكون ، فكذلك محبة اللّه لنبيّه هي المحبة المستقرة . ويقال « سجا الليل » يسجو إذا سكن ودام ، وربما المعنى من قوله تعالى :
أَ لَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوى ( 6 ) وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدى ( 7 ) وَوَجَدَكَ عائِلًا فَأَغْنى
( 8 ) ، هو التنبيه إلى حال من يؤمن باللّه ، فإنه تعالى يضمه إليه ، ويهديه ، ويغنيه ، ويحوطه ، وينصره ، ويرفع من قدره ويوقّره ، ويكفّ عنه أذى الناس ، فهكذا فعل مع نبيّنا صلى اللّه عليه وسلم مما نعلمه من تاريخه وسيرته ، فآواه أهله وانتصروا له ، ثم استقبله الأنصار مهاجرا فآووه ونصروه ، وكان حاله في الدين حال الضال الحائر فهداه وأنعم عليه بالإسلام ، وحاله في المال حال المعوز الفقير المحتاج ، فأغناه عمّن سواه ، وجمع له بين مقامي الفقير الصابر ، والغنى الشاكر . واليتيم الذي كأنه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم هو الوحيد المفرد بسبب يتمه ، والعرب يصفون كل شئ يعزّ النظير له بأنه يتيم ، كقولهم : درة يتيمة ، إذا لم يكن لها مثل ، ويكون مجاز الآية أنه تعالى وجده فريدا في الشرف والخلق ، لا نظير له ولا مثيل ، فآواه بأصحاب يحفظونه ويحوطونه . وأما قوله :
وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدى
( 7 ) فهو أيضا من باب قوله :
ما كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتابُ وَلَا الْإِيمانُ . . .
( 52 ) ( الشورى ) ، فالضلال بالمعنى المعروف ما كان للنبىّ صلى اللّه عليه وسلم في يوم من الأيام ، فما سجد لصنم ، ولا أشرك باللّه ، وكان على حنيفية إبراهيم ، وإنما الضلال أنه كان قبل البعثة يسأل متحيرا ، ويطلب المعرفة ، وأنه بالبعثة وبالقرآن عرف وتعلّم وصار يعلّم . وفي قوله :
وَوَجَدَكَ عائِلًا فَأَغْنى
( 8 ) ، فبالمعنى الحسّى : ان خديجة أغنته ؛ وبالمعنى المعنوي : أنه تعالى وجده فقير النفس فأغنى قلبه ، وفقيرا من الحجج فأغناه بها ، ولم يكن عنده كتاب يرجع إليه ، فزوّده بكتاب ، وكذلك كان الجزء الثالث من السورة : وصية من ثلاثة بنود ، مقابل النّعم الثلاث التي أنعم بها عليه :
فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ ( 9 ) وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ ( 10 ) وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ
( 11 ) ، فكانت