تخطي إلى المحتوى الرئيسي

موسوعة القرآن العظيم — صفحة 787

مساهمون:

ص٧٨٧
وبالليل مقبلا ، أو بالنور والظلمة ، وفي الليل يظهر القمر ويتسق ، أي يستدير ويكتمل ، وكل ذلك آيات دالة على قدرته ، والذي صنع وأبدع وسوّى كل ذلك يقدر أن يبطله ويزيله ويمحوه يوم القيامة ، فالعالم ليس للأبد ، فلكل ما خلق عمر ينصرم وينقضى ، وفي النهاية تأتى الساعة وتكون القيامة . وقوله :
لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَنْ طَبَقٍ
( 19 ) جواب القسم ، والحياة أطباق ، يعنى أحوالا وأطوارا ، والناس فيها من طور إلى طور ، ومن حال إلى حال ، ومن ذلك طور الموت ، وطور البعث ، وطور الخلود في الجنة أو في النار . وكل مخلوق من جماد ونبات وحيوان له أطوار ، ويركب طبقا بعد طبق ، وهذا إعجاز علمي في القرآن ، ونظرية الأطوار في القرآن ليس فيها أن الإنسان كان قردا كما يقول دارون ، وإنما أنه مرّ بالحالة الحيوانية ، كما مر بالحالة النباتية
Vegetative
، وهذه الحالة الأخيرة تعنى أنه كان في مرحلة ينمو ولم تنضج عنده الغرائز بعد ، فإذا نضجت انتقل إلى المرحلة الحيوانية ، أو ركب الطبق الحيواني ، وقبل المرحلة النباتية يمرّ بالمرحلة الجمادية ، فكان لا يعدو العناصر الستة عشر التي تتركب منها الكائنات ، وبعد المرحلة الحيوانية تكون المرحلة الإنسانية الخاصة بالجنس البشرى
homo sapiens
، ويتميّز فيها الإنسان بالعقل والوعي ، ويتمثّل المستقبل ، ويكون له مشروع ، وهذه هي مرحلة الإنسان العامل ، ثم تأتى مرحلة الإنسان الحكيم أو العالم بعد الإنسان العامل ، ثم مرحلة الإنسان العابد - وهي أعلى مراحل الرقىّ . فإذا انتهى العمر ركب طبقا آخر يحمله إلى غيب لا يعلمه إلا اللّه . وكل ذلك أفكار تثيرها وتذكّرنا بها السورة ، وتدعونا إلى التفكّر والتدبّر ، فيأتي السؤال :
فَما لَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ ( 20 ) وَإِذا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لا يَسْجُدُونَ
( 21 ) ، وهو استفهام إنكاري ، ينكر على أهل الكفر كفرهم ، ويتعجب من موقفهم ، ويوبّخهم على ترك الإيمان بعد كل هذه الآيات . وليس من سبب لموقفهم هذا إلا أن قلوبهم قد ران عليها ، وصارت غلفا ، وعميت أبصارهم حتى صاروا لا يعقلون ولا يفقهون ، واللّه أعلم بما يضمرون من التكذيب والكفر ، وما يكتمون من النوايا الخبيثة ، وما يفعلون من الأعمال السيئة وتختتم السورة بمقارنة حال هؤلاء بحال المؤمنين الذين يعملون الصالحات ، كطريقة القرآن دائما إذا ذكر الكفر والكافرين والعذاب بجهنم ، قابل ذلك بذكر الإيمان والمؤمنين ، ووعد النعيم بالجنة ، فإن كان العاصون قد نالوا أجرهم في الدنيا ، فأجرهم ينقطع بالموت ، وأما أجر المؤمنين فموصول بعد الموت وباق أبد الآبدين . ومن المصطلحات في هذه السورة : « الحساب اليسير » : قال فيه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « ذلك العرض » ويكون بعد الموت مباشرة ، ويقابله الحساب العسير يوم القيامة . من الأمثلة في السورة قوله تعالى :
يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ إِنَّكَ كادِحٌ إِلى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلاقِيهِ
( 6 ) : والمعنى