تخطي إلى المحتوى الرئيسي

موسوعة القرآن العظيم — صفحة 785

مساهمون:

ص٧٨٥
الحساب فعلمهم مصيبة عليهم ، وإن كانوا لا يعلمون فمصيبتهم أدهى وأمرّ ؟ ! واليوم العظيم : تعريف بيوم القيامة :
يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ
( 6 ) : يقومون عقابا وعذابا ، فلأن ذنبهم عظيم فإن يوم حسابهم كان عظيما . ويبدأ الجزء الثاني من السورة بالردع والتنبيه ويحفل بالمتقابلات ، يقول :
كَلَّا إِنَّ كِتابَ الفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ ( 7 ) وَما أَدْراكَ ما سِجِّينٌ ( 8 ) كِتابٌ مَرْقُومٌ
( 9 ) ، وتقابل :
كَلَّا إِنَّ كِتابَ الْأَبْرارِ لَفِي عِلِّيِّينَ ( 18 ) وَما أَدْراكَ ما عِلِّيُّونَ ( 19 ) كِتابٌ مَرْقُومٌ
( 20 ) ، فكلّا في الآية الأولى كلمة ردع وزجر ، وكلا في الآية الثانية تعنى حقا ؛ والفجار تقابل الأبرار ، والفاجر هو الذي ما عاد يخشى أحدا ولا يهمه حساب ولا نار ولا قيامة ، وعكسه البار من البرّ الذي هو الخير . والفجّار يناسبهم سجين ، وهو أحط درك من دركات جهنم ، وكأنه السجن الذي لا يوصف لفرط بشاعته ، وقيل لذلك ربما هو ضرب مثل وإشارة إلى أن أعمالهم السيئة لا تصعد إلى اللّه ، وإنما حبيسة الدناءة والسفالة اللتين كانتا له ؛ وعكسه علّيون : أي الذرى حيث الجنة ، فإذا كان الفجار في أسفل سافلين ، فالأبرار في عليين . وقوله : « وما أدراك ما سجين » ، « وما أدراك ما عليون » استفهام للتعظيم والتهويل ، يعنى : هل تعلم ما سجين ، وما عليون ؟ والكتاب المرقوم أي المرقّم ، فلم تسقط منه ورقة ، ولا ضاع منه شئ ، وإنما هو كتاب محفوظ . والمكذّبون في السورة الذين يتوعدهم ، كذّبوا بيوم القيامة وبالبعث والنشور ، وهم في التعريف معتدون آثمون ، كلما تلا عليهم القرآن ألغوا فيه وقالوا أساطير الأولين ، يعنى خرافات السابقين من الأمم ، ومن هؤلاء كان الوليد بن المغيرة ، وأبو جهل ونظراؤهما ، كسبوا الكفر فران على قلوبهم ، والران هو أن تتراكم الذنوب على بعضها ، فكلما أذنب ذنبا اسودّت نقطة في القلب وصار الذنب كالثقب ، حتى ليصبح القلب كالمنخل أو الغربال الصدئ ، ويوم القيامة يحجب عنهم ربّهم رحمته ، ويصلون الجحيم جزاء وفاقا . وأما الأبرار : فكتابهم مفخرة لهم ، ومن فرط طهارته فإن الملائكة تقبل عليه وتنظر ما به من صالحات . والنعيم مقام الأبرار ؛ وللنعيم نضرة ، وسقياهم من رحيق مختوم بالمسك ، ومزاجه من تسنيم ، جاء في تعريفها أنها عين يشرب بها المقرّبون ، وكل ذلك من الغيب ونتصوره فنرضى به ونسعد وتشحذ هممنا إليه ، ويتنافس عليه المتنافسون . وخلاصة هذا النعيم في الآية :
فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ
( السجدة 17 ) . وعكس هؤلاء وفي مقابلهم المجرمون وكانوا يستهزءون بالمؤمنين ويتغامزون عليهم ويتفكهون بهم في رواياتهم ، ويصفونهم بالضلال ، مع أنهم لا شأن لهم بهم ، ولم يوكلوا عليهم ، وها هي الآية قد انقلبت فصار المؤمنون في النعيم يضحكون مما آل إليه أمر الكفار . نسأله تعالى أن يرينا في المجرمين بعض الذي وعدهم ، وهو عليهم مقتدر ، وحسبنا اللّه . * * *