تخطي إلى المحتوى الرئيسي

موسوعة القرآن العظيم — صفحة 653

مساهمون:

ص٦٥٣
إلى نبيّه الكريم ، وتنزّلت عليه قرآنا ، ولم يكن النبىّ صلى اللّه عليه وسلم بدعا بين الرسل أن أوحى اللّه إليه ، فقد أوحى إلى رسل آخرين من قبله ، وهذا القرآن لسانه عربى لأنه مرسل إلى العرب ، ولينذر به الرسول صلى اللّه عليه وسلم أم القرى مكة وما حولها ، بأن يوم القيامة - يوم الجمع - لا ريب فيه ، وأن الناس في ذلك اليوم فريقان : فريق في الجنة ، وفريق في السعير - أي جهنم ؛ ولو شاء اللّه لجعل الناس جميعا على دين واحد ، وما يختلفون فيه مردّه للّه الذي ليس كمثله شئ ، وليس كذاته ذات ، ولا كاسمه اسم ، ولا كفعله فعل ، ولا كصفته صفة ؛ ودينه تعالى المشرّع للناس هو ما وصّى به نوحا ، ومحمدا ، وإبراهيم ، وموسى ، وعيسى : أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه . فمن كان من الناس يريد حرث الآخرة يزد اللّه له في حرثه ، أي يوفّقه للعبادة ويسهّلها عليه ، ومن كان يريد حرث الدنيا يؤته منها وما له في الآخرة من نصيب ، وحرث الدنيا هو المال . ويوم القيامة يشفق الظالمون مما كسبوا ، ويدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات روضات الجنات ، لهم ما يشاءون عند ربّهم . وما محمد إلا رسول ، ولم يسأل الناس أجرا على إبلاغه لرسالته ، وما كان يرجو منهم إلا
الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى
( 3 ) ، وأن يراعوا قرابتهم به فيصدّقوه ، وينتهوا عن القول بأنه افترى القرآن على اللّه ، ولو افتراه لختم اللّه على قلبه فأنساه القرآن ، وسلبه من صدره ، كقوله تعالى :
وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الْأَقاوِيلِ ( 44 ) لَأَخَذْنا مِنْهُ بِالْيَمِينِ ( 45 ) ثُمَّ لَقَطَعْنا مِنْهُ الْوَتِينَ
( 46 ) ( الحاقة ) . ولو بسط اللّه الرزق لعباده في الأرض لبغوا ، وإنما ينزّل الأرزاق بقدر وحكمة ، وفي الحديث القدسي : إنّ من عبادي ما لا يصلحه إلا الغنى ، ولو أفقرته لأفسدت عليه دينه . وإن من عبادي من لا يصلحه إلا الفقر ، ولو أغنيته لأفسدت عليه دينه » . وما يصاب الناس من مصائب في النفس والمال إلا بسبب معاصيهم ، وعبّر اللّه تعالى بالأيدي فقال :
فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ
( 30 ) لأن أكثر الأفعال تزاول بها ، وهو تعالى يعفو عن كثير فلا يعاقب عليه ، ولو يؤاخذهم بكل ما كسبوا لهلكوا ، وفي الحديث : « ما أصابكم من مرض أو عقوبة أو بلاء في الدنيا فبما كسبت أيديكم ، واللّه أكرم من أن يثنّى عليكم العقوبة في الآخرة ، وما عفا عنه في الدنيا فاللّه أحلم من أن يعاقب به بعد عفوه » . ولمّا نزلت هذه الآية قال النبىّ صلى اللّه عليه وسلم : « ما من اختلاج عرق ولا خدش عود ، ولا نكبة حجر إلا بذنب ، وما يعفو اللّه عنه أكثر » . ونظير ذلك قوله تعالى :
مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ
( النساء 123 ) . وخيرات الدنيا كثيرة ، ومتعها لا حدّ لها ، وما يؤتى الناس من ذلك من غنى وسعة إنّ هو إلا لأيام وتنقضى ، وما عند اللّه هو الباقي ، والذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش هم المؤمنون حقا ، وجزاؤهم الجنة ؛ والفواحش والكبائر بمعنى واحد ، وهي المعاصي ؛ وقيل كبائر الإثم هي الشرك ، والفواحش
موسوعة القرآن العظيم — صفحة 653 | عبد المنعم الحفني