تخطي إلى المحتوى الرئيسي

موسوعة القرآن العظيم — صفحة 545

مساهمون:

ص٥٤٥
وفي السورة قصة بلعام بن باعوراء ، وكان مثلا مخزيا لعلماء السوء ، فصوّرته السورة بأشنع وأقبح ما يتخيّل لعالم يبيع دينه لقاء أن يرضى الحاكم ، ويوظّف علمه لتبرير ظلمه ، ولو شاء اللّه لأماته قبل أن يضل ، ولكنه أخلد إلى الأرض بضلاله ، وسكن إلى ملذات الدنيا ، وهوى المضلين والكافرين ، فكان مثله كمثيل الكلب ، إن تحمل عليه يلهث ، أو تتركه يلهث ، فهو يلهث على كل حال ، فكذلك الذي يترك الهدى ويفتى للحكام الظلمة ، فإن وعظته ضلّ ، وإن تركته ذلّ ، والناس في حال الكلال تلهث ، وفي حال الراحة لا تلهث ، إلا الكلب فإنه يلهث في كل حال ، في الكلال والراحة ، وكذلك هذا العالم الذي لم يفد من علمه إلا غضب اللّه ، فلا هو ترك نفسه للجهل ، ولا هو هدى لما تعلّم ، فكان في الحالين سواء ، وهذه أبشع صورة لمن يرزقه اللّه العلم النافع ، فيستغله خزيا ووبالا عليه ، ويتّبع الشيطان فيكون من الغاوين . وتختم السورة بإثبات أن أمة محمد صلى اللّه عليه وسلم ، هي أمة يهدون بالحق وبه يعدلون ، وما كان محمد مجنونا كما ادّعى اليهود ، قالوا :
يا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ
( 6 ) ( الحجر ) ، فنفته الآية
أَ وَلَمْ يَتَفَكَّرُوا ما بِصاحِبِهِمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ
( 184 ) ، وكان أبلغ الردّ عليهم قوله تعالى للنبىّ صلى اللّه عليه وسلم :
خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ
( 199 ) ، وفي هذه الكلمات السبع قواعد الشريعة كلها في المأمورات والمنهيات ، وليس في القرآن آية أجمع لمكارم الأخلاق من هذه الآية . ويظاهرها في الحديث : « بعثت لأتمّم مكارم الأخلاق » أخرجه الحاكم . ولما نزلت
خُذِ الْعَفْوَ
قال صلى اللّه عليه وسلم : كيف يا ربّ - والغضب ؟ » فنزلت :
وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ
( 200 ) ، وتتابعت الآيات كلها تحضّ على الإيمان والخير والصلاح ، قال :
وَإِذا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ
( 204 ) ، ردا على قولهم :
وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ
( 26 ) ( فصلت ) ، وخاطب اللّه تعالى نبيّه صلى اللّه عليه وسلم - والمقصود أمته كلها ، قال :
وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعاً وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ وَلا تَكُنْ مِنَ الْغافِلِينَ
( 205 ) ، وأخبره تعالى عن أهل السماء :
إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ
( 206 ) . والسجود في هذه الآية خاتمة الأعراف ، وهو أول سجود في القرآن ، وكان آخر سجود في خاتمة العلق . واللّه الموفق والمستعان ، وله الحمد والمنّة . * * *

589 . سورة الأنفال

السورة مدنية إلا من الآية الثلاثين التي تقول :
وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ