الإسلامية ، وتنبّه الآية إلى ذلك ، وتجعل من حالة الرسول صلى اللّه عليه وسلم قدوة للمسلمين . ولم يكن زواجه صلى اللّه عليه وسلم من زوجاته إلا لأسباب اجتماعية وسياسية شرحناها في مكانها ، فلا أقل من أن ينبّه اللّه زوجاته صلى اللّه عليه وسلم إلى أن ما يفرضه الرسول صلى اللّه عليه وسلم على نفسه من الالتزامات والأدبيات إنما مرجعها إليه ولم يفرضها اللّه عليه . ومعنى ترجى في الآية أي تؤخر ، وتئوى أي تضم إليك ، وممن ابتغيت ممن عزلت ، أي ممن طلبت من زوجاتك بعد أن عزلتهن عن القسمة ، فلك المشيئة أن ترفع عنهن العزلة وتقسم لهن كأخواتهن . وتنفى الآية أن المشيئة تعنى الجناح أو الميل ، وتؤكد على العدل الذي توخّاه مع زوجاته دائما ، فالعدل جزء من شخصيته ، ومن العدل أن يحطن علما بأن عدله فيهن مرجعه لمشيئته ، أي ضميره الخالص وخلقه ، ولم يفرض عليه ، وبذلك يصير العدل مع الزوجات هو بالتبعية من الخلق الذي يتميّز به الإسلام على الديانتين الكتابيتين الأخريين . وفي اليهودية لا يندب الرجل للعدل مع زوجاته حيث تعدد الزوجات معمول به ، ومن ثم يكون من الأفضل أن لا يستكثر الرجل من النساء لئلا يزيغ قلبه ( تثنية الاشتراع 17 / 18 ) ، وفي المسيحية لا طلاق للمرأة مهما اشتكت ( بولس الثانية 7 / 11 ) ، ويخضع النساء للرجال خضوعا كاملا ( بولس الخامسة 6 / 23 ، والسادسة 3 / 19 ) . وفي الإسلام النموذج في المعاملة الزوجية هو الرسول صلى اللّه عليه وسلم مع زوجاته ، وهذه الآية إنما نزلت لتقرّ بها أعينهن ، وللتأكيد على أن العدل لم يفرض عليه ولكنه مشيئته صلى اللّه عليه وسلم ، فإذا كان يعدل بينهن فلأنه عادل بطبعه وبخلقه المسلم ، ولأنه يدعو إلى العدل كركن من أركان الإسلام الاجتماعي . فإذا علمت زوجاته أن اللّه تعالى قد فوّض الأمر إليه في أحوال أزواجه رضين ، لأنهن لو علمن أن لهن الحق في هذا العدل لم يقنعن بما أوتين ، وتشتد غيرتهن عليه ، ويجد المشقة في أن يعدل بينهن ، وأما المسألة قد تركها اللّه له ، فذلك أدعى إلى أن يقبلن بما يسمح لهن ولا تتعلق قلوبهن بما هو أكثر منه . ومن ناحية أخرى فإنه صلى اللّه عليه وسلم إذ يعلم أن المسألة صارت موكولة إليه فقد شدّد على نفسه في رعاية التسوية بينهن ، تطييبا لقلوبهن ، ولذلك قال فيما أخرجه النسائي : « اللهم هذه قدرتى فيما أملك فلا تلمني فيما تملك ولا أملك » . وما يملكه صلى اللّه عليه وسلم هو أن يحاول العدل ، وما يملكه اللّه تعالى هو قلبه صلى اللّه عليه وسلم ، أي الحب والبغض ، والشعور الوجداني بأنه مع هذه يستريح نفسيا ، ومع تلك لا يحسّ راحة نفسية ، وإلى ذلك أشارت الآية :
وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّساءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ
( 129 ) ( النساء ) ، والآية :
وَاللَّهُ يَعْلَمُ ما فِي قُلُوبِكُمْ
( الأحزاب ) وفيها تذكير على علم اللّه من الميل إلى البعض من النساء دون البعض ، وهو سبحانه العالم بكل شئ ، كقوله :
إِنَّ اللَّهَ لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلا