تخطي إلى المحتوى الرئيسي

موسوعة القرآن العظيم — صفحة 154

مساهمون:

ص١٥٤
النقاش يريد أن يسأله في دينه ، فلم يردّ عليه النبىّ صلى اللّه عليه وسلم واستمر في كلامه ، وابن أم مكتوم من حين لآخر يأتيه من شماله ثم من يمينه ويقطع عليه كلامه ، ولا شئ على لسانه إلا عبارة « يا رسول اللّه ، علمني مما علمك اللّه » ، وفي السورة يقول تعالى يصف الموقف :
عَبَسَ وَتَوَلَّى ( 1 ) أَنْ جاءَهُ الْأَعْمى ( 2 ) وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى ( 3 ) أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرى ( 4 ) أَمَّا مَنِ اسْتَغْنى ( 5 ) فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى ( 6 ) وَما عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى ( 7 ) وَأَمَّا مَنْ جاءَكَ يَسْعى ( 8 ) وَهُوَ يَخْشى ( 9 ) فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى ( 10 ) كَلَّا إِنَّها تَذْكِرَةٌ
( 11 ) ( عبس ) ، فنفهم أن الرسول صلى اللّه عليه وسلم عبس في وجهه ، وابن أم مكتوم أعمى ، ولن يرى العبوس ، فلا بد إذن أنه ظهر في كلامه ، ونفهم أنه تولى عنه وانصرف لا يجيبه ، فكان هذا العتاب القاسى من اللّه تعالى لنبيّه ، لأنّه ما كان له أن يقبل على كفّار لدرجة أن يهمل المؤمن ، ولا أن يعرض عن هذا المؤمن الضعيف من أجل كفرة عتاة في الكفر ، ولا أمل في هدايتهم ، فكان النبىّ صلى اللّه عليه وسلم كلما التقى بابن أم مكتوم من بعد ، يقول له هاشا باشا : « أهلا بمن عاتبني فيه ربّى » ، وكان من عتابه تعالى لنبيّه صلى اللّه عليه وسلم أن أنزل عليه هذه الآية ، يعلمه أن لا يعرض أبدا عن مؤمن يطلبه للدين ، قال :
وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْناكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنا وَاتَّبَعَ هَواهُ وَكانَ أَمْرُهُ فُرُطاً
( 28 ) ( الكهف ) . * * *

198 . أوذى كما أوذى موسى

موسى كثيرا ما أوذى ، وكذلك النبىّ صلى اللّه عليه وسلم ، يقول تعالى :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قالُوا وَكانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهاً
( 69 ) ( الأحزاب ) ، وموسى اتهموه بأنه آدر ( يعنى له خصية منتفخة ) وأبرص ، وأنه تزوج حبشية وحلل حراما ، وأنه لم ينفّذ كلام ربّه في ضرب الحجر ليخرج منه الماء ، وأنه شكّ في قدرة اللّه على أن يؤكل بني إسرائيل ، ولم يعظهم قبل نزول السلوى ، وأنه خاصم هارون ودعاه إلى الجبل ليقتله هناك . والنبىّ صلى اللّه عليه وسلم آذوه فكانوا يرفعون صوتهم على صوته ، كقوله تعالى :
لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ
( 2 ) ( الحجرات ) ؛ وكانوا ينادون عليه باسمه ، كقوله :
إِنَّ الَّذِينَ يُنادُونَكَ مِنْ وَراءِ الْحُجُراتِ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ
( 4 ) ( الحجرات ) ، ويدخلون بيته بلا استئذان ، كقوله :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلى طَعامٍ غَيْرَ ناظِرِينَ إِناهُ وَلكِنْ إِذا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَلا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذلِكُمْ كانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ
( 53 ) ( الأحزاب ) ، وقالوا إذا مات محمد سنتزوج أزواجه ، فنزلت الآية :
وَما كانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا