« هذا » يقصد بها القرآن ، وليس كل بيان هدى وموعظة ، إلا القرآن ففيه شفاء للناس وهداية للرشاد ، وموعظة وذكرى للمتّقين ، خصّهم بالذكر لأنهم المنتفعون به دون سائر الناس ؛ والعموم : أن كل قول فيه مثل هذه الصفات فهو بيان أثير .
وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ
( 139 ) : حكمة بالغة ، ومثل يرجى كلما ادلهمت الأمور ، وقاعدة للسلوك في الملمات ؛ والوهن هو الضعف والخور والجبن ؛ والحزن يكون عند الهزيمة ، والاندحار والإحباط ؛ والعلو الثقة في النفس وقوة الإيمان ؛ والمؤمن يتميز بقوة الجهاز النفسي المناعى ، وتماسك جبهته الداخلية ، وقوله :
« وأنتم » أي المؤمنون ، والهزيمة إذا لحقت بالمؤمن فهي هزيمة النفس قبل الجسم ؛ والأعلون أي في عافية دائما . والآية نزلت يوم أحد ، وهي قاعدة كونية عامة ، وفي كل موقف كان بعد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، وكان فيه واحد من الصحابة ، كان الظفر للمسلمين ، وهذه البلدان كلها إنما افتتحت على عهد أصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، ولم تفتتح بلدة بعد انقراض الصحابة على الوجه الذي كانوا به يفتتحون البلاد في زمنهم . وفي الآية فضل الإسلام على أمة الإسلام ، لأنه تعالى خاطب المسلمين بما خاطب به أنبياءه ، فقال لموسى :
إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلى
( 68 ) ( طه ) ، وقال لهذه الأمة :
وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ
( آل عمران 139 ) ، والأعلون من اسمه تعالى العليّ .
إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ
( 140 ) : مثل يضرب تخفيفا على المجاهدين ، والقرح هو الجرح ، بالضم والفتح ، فإن كانت الخسائر المادية في الحروب كثيرة ، فإن المكاسب المعنوية أكثر ، وكلما اشتدت الأزمات كلما قرب الفرج ، وما يصيب المؤمنين هو ابتلاء من اللّه ليعلم الصابرين ، وليتخذ منهم شهداء ، وليمحّص الذين آمنوا ويمحق الكافرين .
وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُداوِلُها بَيْنَ النَّاسِ
( 140 ) : يضرب هذا المثل للحرب والشدائد ، تكون مرة نصرا وفرجا للمؤمنين ، ومرة تكون لهم خسارة وشدّة ، وهذا هو معنى المداولة ، وفي ذلك ابتلاء ليمحّص اللّه الذين آمنوا ، فإن صبروا وجاهدوا ولم يعصوا فإنهم الغالبون ، لأنهم حزب اللّه ، والناس جميعا يتداولهم الفرح ، والغمّ ، والصحة ، والسّقم ، والغنى والفقر ، والمداولة من الدولة هي الكرّة :
فيوم لنا ويوم علينا * ويوم نساء ويوم نسرّ
أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ
( 142 ) :
المثل في صيغة الاستفهام على سبيل الإنكار ، والمقصود أنه لا ثواب بلا ابتلاء وتمحيص ،