يكون الأمر خدعة ، ورفض أبو سفيان ، فإما أن يخرجوا معهم وإلا فلا عهد بينهم ، واستشعرت بنو قريظة صدق نعيم ، وانخذلوا عن قريش ، وتكالموا واختلفوا وتشاتموا ، وكان اليوم عاصفا ، والرياح هوجاء ، والليل قارص البرودة ، وانهدمت خيامهم ، وانطفأت قدورهم ، وهلك الكراع ( يعنى الخيل ) والخفّ ( يعنى الإبل ) ، وانطفأت النيران ، وأرسل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم حذيفة بن اليمان متخفّيا يتسمّع عليهم ويتنظّر ، فلو لا أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أمره أن لا يحدث شيئا لقتل أبا سفيان وهو يحلّ عقال جواده مرتحلا ، وعاد إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فأخبره ، فحمد اللّه ، فما أصبحوا إلا وقد ذهبت الأحزاب .
ورجع المسلمون إلى المدينة ووضعوا السلاح ، ولكن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم نادى فيهم :
« لا يصلّينّ العصر إلا في بني قريظة » . ودعا سعد بن معاذ ربّه أن لا يتوفاه مما أصابه السهم إلا بعد أن يقرّ عينيه في بني قريظة ، لخيانتهم للعهد ، وتبجّحهم . وأعطى الرسول صلى اللّه عليه وسلم الراية إلى علىّ بن أبي طالب ، وساروا إلى بني قريظة ونازلوهم ، وحاصرهم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بضعا وعشرين ليلة ، فإما أن يسلّموا ويتّبعوا الإسلام ، فيسلموا وتسلم أموالهم ونساؤهم وأبناؤهم ، وإما أن يقتلوا أبناءهم ونساءهم ويقاتلوا حتى يموتوا عن آخرهم .
ورفض اليهود الإسلام ، وأن يقتلوا أبناءهم ونساءهم بأيديهم ، واستنجدوا بالأوس حلفائهم ، وحذّرهم أبو لبابة فأفشى سرّ المسلمين ، وأشار بيده إلى حلقه وقال : إنه الذبح إن فعلتم ؛ يحذّرهم أن ينزلوا على حكم المسلمين ، ونزلت الآية في أبى لبابة :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَماناتِكُمْ
( 27 ) ( الأنفال ) ، والآية :
وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ
( 102 ) ( التوبة ) ، وحكّم الرسول صلى اللّه عليه وسلم فيهم سعد بن معاذ رئيس الأوس حلفائهم ، ويقول كتّاب المغازي : أن سعدا حكم بأن تقتل المقاتلة ، وتسبى الذرّية والنساء ، وتقسّم أموالهم ، وقالوا : فضربت أعناق نحو من ستمائة إلى السبعمائة من المقاتلة ، وقيل الثمانمائة ، منهم حيىّ بن أخطب ، وكعب بن أسد ، وكانا رأس القوم ، وقتل من نسائهم بنانة امرأة القرظي التي طرحت الرحى على خلاد بن سويد فقتلته . قالوا : أمر رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بقتل كل من أنبت منهم وترك من لم ينبت ( يعنى من لم يبلغ الحلم ) . ووقع لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم من سبيهم ريحانة بنت عمرو بن جنافة .
والقول بأن الرسول صلى اللّه عليه وسلم أمر بقتل كل هذا العدد ، حتى الأولاد الذين أنبتوا ، كذب ، ويتعارض مع الآية :
وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقاً تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقاً
( 26 ) ( الأحزاب ) ، فلما ذا يقول تأسرون فريقا إن لم يكن هناك أسرى ، ثم إن قتل هذا العدد من الأسرى وهم كل من يستطيع حمل السلاح حتى الصبية ، يجافى مبادئ الإسلام ، فاللّه تعالى ينهى عن الإسراف في القتل فيقول :
فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ
( 33 ) ( الإسراء ) ، وقال :