تخطي إلى المحتوى الرئيسي

موسوعة القرآن العظيم — صفحة 1103

مساهمون:

ص١١٠٣
وأما قصة زكريا في القرآن فموضوع آخر تماما ، وفي سورة الأنعام يأتي أن زكريا من الصالحين ( 85 ) ، وأن ربّه فضّله على العالمين ( 86 ) ، ويظهر تفضيله بأن تستهلّ به سورة مريم ، فيصفه اللّه تعالى بأنه عبده ، وأنه رحمة ، وينبّه إلى معنى اسمه في أول كلمة من السورة « ذكر » ، حيث الاسم كما سبق يعنى المذكور ، أو المذكور بالخير ، يقول تعالى :
ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا
( 2 ) ( مريم ) . والقرآن لا يتابعه من مبتدأ حياته وإنما وهو في شيخوخته وقد أوغل في العمر ، وكانت امرأته عاقرا ، وهذا هو الذي جعله يكفل مريم ، والكفالة هنا معناها التبنّى ، فقد كانت مريم يتيمة ، ومات أبوها وأمها حامل فيها ، فلمّا رأى بركات اللّه على مريم ، وأن اللّه يرزقها بغير حساب ، تحركت فيه غريزة الأبوة ، وتمنى لو كان له ولد :
قالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً وَلَمْ أَكُنْ بِدُعائِكَ رَبِّ شَقِيًّا ( 4 ) وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوالِيَ مِنْ وَرائِي وَكانَتِ امْرَأَتِي عاقِراً فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا ( 5 ) يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا
( 6 ) ( مريم ) ، وذكر العظم في دعائه أو شكايته ، لأن العظم عمود البدن وأصل بنائه ، وبه قوامه ، لأنه أشد ما فيه وأصلبه ، فإذا وهن كان ما وراء العظم أوهن منه ، وتداعت به سائر قوته وتساقطت ، وأهل الطب يسمون هذا الوهن : هشاشة العظام ، ولا تتبين الهشاشة إلا في الشيخوخة المتأخرة ، وفيها يشتعل الرأس شيبا ، والاشتعال من شأن النار تنتشر بسرعة ، وكذلك كانت شيبة زكريا ، دبت في رأسه بسرعة ، وظهرت علاماتها لا تخطئها العين ، حتى أتت على الرأس كلها ، وطبعت أطراف الشعر ومنابته . وموقف زكريا كان الأولى فيه أن يذكر نعم اللّه عليه ، ولكنه وصّف حاله ، وأظهر ضعفه ، وأوضح أنه ما طلب من ربّه طلبا ولا دعا بشيء ، إلا استجاب له ، ومعنى
وَلَمْ أَكُنْ بِدُعائِكَ رَبِّ شَقِيًّا
( 4 ) ، يقال « شقى بالشئ » إذا تعب فيه ولم يحصل عليه ، وزكريا كان يتحقق له ما يتمنى ، وخوفه من الموالى - أي الأقارب من عصبته التي ترثه ، كان يخاف أن يرثوه كلالة ، وأشفق أن لا يكون وريثه ولده من صلبه ، والوراثة في حالة زكريا وراثة مال وعلم ونبوة ، ولذا قال :
يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ
( مريم 6 ) ، فالمال يرثه منه ، ومن آل يعقوب يرث الحكمة النبوة ، ويعقوب هو النبىّ ابن إسحاق وحفيد إبراهيم . والمشكلة في حالة زكريا أنه كان عقيما بحكم السن ، وكانت زوجته عاقرا بطبيعتها ، قيل : اسمها اليصابات ، وهو اسم يوناني ، وبالعبرية هي اليشبع ، ومعنى الاسم « قسمة » ، وربما كانت قريبة لحنة أم مريم ، وقد تكون أختها ، والحديث عن النبىّ صلى اللّه عليه وسلم يحتج به ، يقول : « فلقيت ابني الخالة يحيى وعيسى » ، ويحيى ابن اليصابات ، بينما عيسى ابن مريم ، والمعنى أن اليصابات ومريم أختان ، والصحيح أنهما ليستا أختين ، والحديث كما نرى ، لا يجزم بأنهما
موسوعة القرآن العظيم — صفحة 1103 | عبد المنعم الحفني