يحكّمون العقل ، ويتصرفون برعونة ويتابعون غيرهم عسى أن يكون لهم حضور ، ويصنعوا تاريخا لأنفسهم ، ولكن ذلك يرديهم موارد الهلكة أكثر ، فهذا قوله :
وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذابِ إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ
( 167 ) ( الأعراف ) . وفي القصتين : قصة التوراة وقصة القرآن نعلم أن العصيان يكون سببا للنقمة ، غير أن قصة القرآن أغنى بالتفاصيل ، وأكثر تحليلا للفرقاء ، وشرحا لأسباب الغضب على أصحاب السبت ، وأكثر ما يميز القصتين هو الحكم الشرعي فيهما ، فقصة التوراة تحلل الاختزان للسبت ، وقصة القرآن لا تحلله ، واليهود من الفرقة الأولى المستحلة للتخزين بمنطوق الشرع في قصة التوراة لا تثريب عليهم ، وبمنطوق الشرع في قصة القرآن أنهم فاسقون ، فكأنما قصة القرآن حكم بالبطلان على الاستحلال في قصة التوراة ، وطبقا لمضمون التحريم في السبت لا يكون التحايل حلالا ، لأنه يلغى حكمة المنع يوم السبت .
واختتمت قصة القرآن بالآية :
فَجَعَلْناها نَكالًا لِما بَيْنَ يَدَيْها وَما خَلْفَها وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ
( 66 ) ( البقرة ) ، يعنى جعل القصة عظة وعبرة ، وجعل مسخ هذه الأمة اليهودية أصحاب السبت عقوبة لهم بين الأمم وعبر التاريخ ، فما من أمة دخلت مع أمة اليهود في تجربة إلا خرجوا من تجربتهم بانطباع وحيد : أن هؤلاء الناس لا عقول ولا قلوب لهم .
* * *
891 . ذو الكفل في القرآن والتوراة
المستشرقون الذين كتبوا في ذي الكفل
Dhu'l Kifl
كثيرون ، منهم : جايجر ، ونيبور ، ولا يارد ، وچول أوبرت ، وأنتساسى ، وجروته ، ونولدكه . . . إلخ ، وكلهم استقوا تقريبا من مصادر واحدة : الطبري ، والزمخشري ، وفخر الدين الرازي ، وابن إياس ، والثعلبي . . . إلخ ، وهؤلاء جميعا تفسيراتهم إسرائيليات خالصة . ويأتي اسم ذي الكفل مرتين في القرآن في سورتي الأنبياء وص ؛ وتعرض سورة الأنبياء الوقائع تقدّم بها لحقيقة بعثة محمد صلى اللّه عليه وسلم ، فيقول اللّه تعالى :
وَما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ إِلَّا رِجالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ
( 7 ) ، وسورة الأنبياء جميعها تجىء ردا على المنكرين لنبوة محمد صلى اللّه عليه وسلم ، وفيها يسلّى اللّه تعالى رسوله ويسرّى عنه أذى المشركين فيقول :
وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ
( 41 ) ، ثم يبدأ يعدّد من سبقه من الرسل ، كموسى وهارون اللذين آتاهما الفرقان ؛ وإبراهيم ، ولوط ، وإسحاق ، ويعقوب ، الذين كانوا أئمة ؛ ومن قبل ذلك نوح ؛ ثم داود وسليمان ؛ ثم يأتي قوله تعالى :
وَإِسْماعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ كُلٌّ مِنَ الصَّابِرِينَ ( 85 ) وَأَدْخَلْناهُمْ فِي رَحْمَتِنا إِنَّهُمْ مِنَ الصَّالِحِينَ
( 86 ) ( الأنبياء ) ، فقرن ذو الكفل في الآية الأولى مع الرسل ، واعتبر في الآية الثانية من الصالحين .