قال الشيخ أبو جعفر الطوسي في ذيل الآية
« أَ فَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلى قُلُوبٍ أَقْفالُها » :
« 1 » فيه تنبيه على بطلان قول الجهّال من أصحاب الحديث : أنّه ينبغي أن يروى الحديث على ما جاء ، وإن كان مختلّا في المعنى . « 2 »
نعم ، بهذا الأسلوب المبتذل قام أهل الحشو بشحن حقائبهم من شواذّ الأخبار وغرائب الآثار ، وبذلك مهّدوا السبل لرواج الإسرائيليات ونشر الأقاصيص الأسطورية ، وازدحمت من وفرتها كتب الحديث والتفسير ، وفي التاريخ المدوّن أيضا منها الشيء الكثير .
وهكذا نجد في بضائع أهل الحشو المزجاة حشدا من أخبار التحريف ، سجّلتها المجاميع الحديثية الكبرى ، أمثال الصحاح الست وغيرها من المدوّنات المعروفة عند أهل السنّة . وقد اغترّ بها جماعات ، كانوا حسبوا من تلك الروايات حقائق مرهونة ، فلا بدّ من تأويلها أو علاج آخر ، ممّا ابتدعه أهل الأصول باسم « نسخ التلاوة » ، فغيّروا من عنوان « التحريف » إلى عنوان آخر تمويها بواقع الأمر .
وقد بحثنا فيما سلف أنّ تغيير العبارة لا يحلّ مشكلة الواقع وإنّما يزيد في صلب الإشكال ، لا سيّما وبعض تلك الروايات تنصّ على أنّ الآية ( المزعومة ) كانت ممّا تتلى حتّى ما بعد وفاة الرسول صلّى اللّه عليه واله . « 3 »
نعم ، كانت المشكلة منحلّة عند أصحابنا الإماميين ، حيث رفضهم الباتّ لتلكم الأراجيف السخيفة ، فلا الأسانيد صحيحة ، ولا المتون متوافقة مع أصول المذهب :
« لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ » .
« 4 »
وإليك نماذج من أحاديث التحريف نقلتها أهل الحشو وسجّلتها أرباب كتب الحديث ، نذكرها تباعا ونعقّب كلّ واحد منها بما نراه من تعليق :
هامش
( 1 ) - محمد 47 : 24 .
( 2 ) - التبيان ، ج 9 ، ص 301 . وراجع وصفنا للحشوية في الجزء الثالث من التمهيد ، « الحشوية » .
( 3 ) - راجع : المحلّى ، ج 10 ، ص 14 و 16 .
( 4 ) - فصّلت 41 : 42 .