تخطي إلى المحتوى الرئيسي

موسوعة اخلاق القرآن — صفحة 192

مساهمون:

ص١٩٢
يصفو على الدوام من جميع العلل ، والاخلاص يكون لقلب العبد المخلص بالتجرد من الشرك والغل والتهم ، وأما الصفاء الكامل الذي لا تصحبه علة ، أو الطهارة من جميع أوصاف البشرية على الدوام ، فليس ذلك من شأن الانسان ، وجل المنزه عن النقص والعيب . وهناك فرقة من الفرق الصوفية قد ضلت الطريق كما ضلت التحقيق حين زعمت أن الاخلاص لا يصح لعبد الا إذا خرج عن رؤية الخلق ، ولم يوافقهم في جميع ما يريد أن يعمله ، سواء أكان ذلك حقا أم باطلا . وقد رد أبو النصر الطوسي في كتابه « اللمع » على ضلال هذه الفرقة فقال : « وانما ضلت هذه الفرقة لان جماعة من أهل الفهم والمعرفة تكلموا في حقيقة الاخلاص : أن لا يصفو لهم ذلك حتى لا يبقى على العبد بقية من رؤية الخلق والكون وكل شيء غير اللّه تعالى . فظنت هذه الفرقة وطمعت أن ذلك يصح لهم بالدعوى والتقليد والتكلف ، قبل سلوك مناهجها ، والتأدب بآدابها ، والابتداء ببدايتها ، حتى يؤديه ذلك إلى نهاياتها ، حالا بعد حال ، ومقاما بعد مقام ، فأداهم الدعوى والطمع الكاذب إلى قلة المبالاة وترك الأدب ، ومجاوزة الحدود فأسرهم الشيطان ، وغلبتهم النفس والهوى ، بما خيل إليهم أنهم برسم المخلصين في الاخلاص ، وهم في عين الضلالة والانتقاص ، وأنّى لهم من ذلك الخلاص ؟ . وقد خفي عليهم - لشقاوتهم - أن العبد المطلوب بدرجة الاخلاص هو العبد المهذب المؤدب ، الذي هجر السيئات ، وجرد الطاعات ، وعمل في الإرادات ، ونازل الأحوال والمقامات ، حتى أداه ذلك إلى صفاء الاخلاص . فأما من هو أسير هواه ، ورهين نفسه وشيطانه ، وهو « في ظلمات بعضها فوق بعض إذا أخرج يده لم يكد يراها » فهو محجوب عن حال أهل البدايات ، فكيف يصل إلى ما بعد ذلك ؟ .