تخطي إلى المحتوى الرئيسي

موسوعة اخلاق القرآن — صفحة 124

مساهمون:

ص١٢٤
والذل هو اللين ، فينبغي بحكم هذه الآية أن يجعل الانسان نفسه مع أبويه في خير ذلة ، في أقواله وسكناته ونظراته ، ولا يحد اليهما النظر . وقوله تعالى
« مِنَ الرَّحْمَةِ »
لبيان الجنس ، أي ان هذا الخفض يكون من الرحمة المستكنة في النفس ، لا بأن يكون ذلك استعمالا ، ثم أمر تعالى عباده بالترحم على آبائهم والدعاء لهم ، فيقول للانسان إنه يجب عليك أن ترحمهما كما رحماك ، وترفق بهما كما رفقا بك ، إذ تولياك صغيرا جاهلا محتاجا ، فآثراك على أنفسهما ، وأسهرا ليلهما ، وجاعا واشبعاك ، وتعريا وكسواك ، فلا تجزيهما إلا أن يبلغا من الكبر الحدّ الذي كنت فيه من الصغر ، فتتولى منهما ما توليا منك ، ويكون لهما حينئذ فضل التقدم . وأرشد القرآن إلى أن علاقة الزوج بزوجته ينبغي أن تنهض على المحبة والرحمة . فقال في سورة الروم :
« وَمِنْ آياتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْها وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً ، إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ »
. والرحمة بين الزوجين تتطلب المعاشرة بالمعروف ، واحتمال الهفوة وصنع الجميل . وكذلك وصف القرآن الكريم أتباع محمد عليه الصلاة والسّلام ، الذين استجابوا له وساروا معه ، بأنهم رحماء فيما بينهم ، فقال في سورة محمد :
« مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ » ،
وأشار إلى مثل هذا حين قال في سورة المائدة :
« يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكافِرِينَ »
. وجعل القرآن من صفات المؤمنين أن يوصي بعضهم بعضا برحمة الضعيف والتعطف عليه ، فقال في سورة البلد :
« ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَواصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَواصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ »
. وحذر من الافساد في الأرض وجعله قرينا لتضييع معاني الرحمة من النفوس ، فقال في سورة محمد :
« فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحامَكُمْ »
وتقطيع الأرحام كناية عن ترك