الفظاظة : الجفاء وسوء الخلق ، وهي صفة للوجه وصفة للقلب .
وغلظة القلب : امتلاؤه من القسوة وخلوه من الرحمة .
كان محمّد عليه السّلام ليّنا ، وكان لينه لينا إلهيّا ناجما من رحمة ربّه ، فكان ليّنا في وجهه ، وليّنا في قلبه ، لم يقطب في وجه أحد قطّ ، بل كان التبسّم يرتسم على شفتيه الكريمتين باستمرار . وكان أذن خير ، وكان رحمة للذين آمنوا ، وكان بالمؤمنين رؤوفا رحيما ، وهل ذلك إلّا الخلق العظيم .
يحدّثنا خادمه أنس بن مالك فيقول : خدمت رسول اللّه عشر سنين فما قال لي : أف قطّ ، وما قال لشيء صنعته : لم صنعته ، ولا لشيء تركته : لم تركته . . . . « 1 »
وكانت له شربة يفطر عليها ، وشربة للسحر . وربّما كانت واحدة ، وربّما كانت لبنا ، فهيّأتها له ذات ليلة فاحتبس النبيّ ، فظننت أنّ بعض أصحابه دعاه فشربتها ، فجاء بعد العشاء بساعة فسألت بعض من كان معه : هل كان النبيّ أفطر ؟ فقال : لا ، فأصبح صائما وما سألني عنها ، ولا ذكرها حتّى الساعة . . . « 2 »
ما أعظم هذا الخلق وما أكرمه ! إن هذا إلّا خلق عظيم .
وكان محمّد صلّى اللّه عليه وآله يعطي كلّ جلسائه نصيبا ؛ حتّى لا يحسب جليسه أنّ أحدا أكرم عليه منه ، وكان يقسّم لحظاته بين جلسائه . « 3 »
ما أعظم هذا العقل ! وما أشدّ فهم هذا الامّي الذي نشأ بين الامّيّين ! وكان يجيب دعوة الحرّ والعبد والأمة والمسكين ، ويعود المرضى ، ويتّبع الجنائز ، ويقبل عذر المعتذر .
وإذا فقد الرجل واحدا من أصحابه ثلاثة أيّام سأل عنه ، فإن كان غائبا دعا له ، وإن كان شاهدا زاره ، وإن كان مريضا عاده .
وكان لا يغضب لنفسه ، ولكن يغضب لربّه . وكان يقبل الهديّة ويكافئ عليها .
هامش
( 1 ) . دلائل النبوّة ، ج 1 ، ص 312 ؛ سنن أبي داود ، ج 4 ، ص 247 ، ح 4773 .
( 2 ) . مكارم الأخلاق ، ج 1 ، ص 78 ، ح 122 ؛ البحار ، ج 16 ، ص 247 .
( 3 ) . روضة الكافي ، ص 168 ؛ فقه الرضا عليه السّلام ، ص 355 .