ووسع الناس خلقه فصار لهم أبا . من جالسه لحاجة صابره ؛ حتّى يكون هو المنصرف عنه .
ما أصعب هذه المصابرة ، سيّما على من يكون موضع حاجات الناس ، وما هذا إلّا الخلق العظيم .
وكان يبدأ من لقيه بالسلام ، ويبدأ أصحابه بالمصافحة ، وكان يدعوهم بأجبّ أسمائهم تكرمة لهم ، ولا يقطع على أحد حديثه .
وكان يجالس أصحابه ويخالطهم ويحادثهم ، ويداعب صبيانهم ويجلسهم في حجره . « 1 »
جاءته امرأة وذكرت زوجها ، فقال : أهذا الذي في عينيه بياض ؟ فقالت :
لا ، ما بعينيه بياض ، ثمّ حكت لزوجها ، فقال : أما ترين بياض عيني أكثر من سوادها « 2 » ؟
ومن أطرف ما روي عنه : أنّ محمّدا صلّى اللّه عليه وآله كان مع رهط في سفر ، فأمر بإصلاح شاة ، فقال رجل : يا رسول اللّه ، عليّ ذبحها ، وقال آخر : عليّ سلخها ، وقال ثالث :
عليّ طبخها ، وقال محمّد صلّى اللّه عليه وآله : وعليّ جمع الحطب ، فقالوا : يا رسول اللّه ، نحن نكفيك ، فقال : قد علمت أنكم تكفوني ، ولكن أكره أن أتميّز عليكم ، فإنّ اللّه يكره من عبده أن يراه مميّزا بين أصحابه ، وقام وجمع الحطب . « 3 »
هذا هو الرجل الذي قام لدعوة الناس بالقسط ، وتصدّى لإلغاء النظام الطبقيّ في العالم ، وجعله اللّه قدوة للبشرية وخادما للإنسانية .
وخرج ذات يوم إلى بئر يغتسل ، فأمسك حذيفة بن اليمان بثوب عليه وستره به حتّى اغتسل ، ثم جلس حذيفة ليغتسل ، فتناول محمّد صلّى اللّه عليه وآله الثوب وقام بستر حذيفة
هامش
( 1 ) . عيون أخبار الرضا عليه السّلام ، ج 1 ، ص 246 ، ح 1 ؛ البحار ، ج 16 ، ص 148 - 153 ، ح 4 ؛ معاني الأخبار ، ص 79 ، ح 1 ؛ مكارم الأخلاق ، ج 1 ، ص 43 .
( 2 ) . مناقب آل أبي طالب ، ج 1 ، ص 148 .
( 3 ) . مكارم الأخلاق ، ج 1 ، ص 536 ، ح 1867 .