إنّ نفس الإنسان تمتاز بطابع خاصّ ، وهو : أنّها كصفحة بيضاء لم يكتب فيها كلمة ولا حرف ، ولم ترتسم فيها أيّة صورة ، فهي قابلة لأيّة صورة ومستعدّة لقبول أيّ معنى .
ونفس غير الامّي فاقدة لهذه الميزة ، إنّها كصفحة كتبت فيها كلمات وحروف ، وارتسمت فيها نقوش وصور ، فمن يحاول رسم نقوش جديدة فيها لا بدّله أن يمحو تلك الصور ؛ لكي ترسم الصور الجديدة بشكل طبيعي ومتناسق .
ولكن من المستحيل محو الصور المرتسمة في النفس الإنسانية ، ومحاولة ذلك لا تجدي ، إذ لا بدّ وأن تبقى جذورها موجودة ، ويكون لها تأثير في النقوش الحديثة ، فلا تحصل الثقة بأنّ ما جاء به النبيّ صلّى اللّه عليه وآله كلّه من عند ربّه .
ومن السنن الجارية عند الشعراء : أنّ الشاعر يحفظ - أوّلا - أشعار من سبقه ويجعلها في ذاكرته ، ليعينه على استنباط المعاني في أشعاره ، حتّى يخيّل أنّها مبتكرة ، والحال أنّ من سبقه له تأثير هامّ فيها لا ينكر ، وبذلك نصح أبو تمام الطائيّ - شيخ الشعراء - أبا عبادة البحتريّ الشاعر الشابّ ؛ لما عرفه أنّه من طيّ .
ولو كان محمّد صلّى اللّه عليه وآله قارئا للكتب لارتاب في نبوّته المبطلون ، ولم تحصل لهم ثقة بدعوته ، إذ من الممكن أن يكون فيلسوفا ومفكّرا ، والنبيّ ليس بفيلسوف ولا بمفكّر .
إنّ علم النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وما جاء به من المثل قد انبثق من العلوم الإلهية والمعارف الرحمانية ، لا صلة لها بالفلسفة البشريّة إطلاقا .
ومن البديهيّ أنّ من كان امّيّا فهو عاجز عن الإتيان بمثل ما أتى به محمّد صلّى اللّه عليه وآله من المثل والقيم ، ومن الفرائض والسنن ؛ سيّما إذا كان امّيّا نشأ في منبت جاهليّ لم توجد فيه أيّة حكمة ومعرفة وسنّة .
إنّ امّيّة محمّد صلّى اللّه عليه وآله شهادة كونية ناطقة بأنّ ما جاء به من الحكم والسنن ليس من قبل نفسه ، وليس بشريّا . إنّه لم يقرأ كتابا ، ولم يدرس مسألة ، ولم يحضر عند أستاذ .
فأمّيّته شاهد صدق لنبوّته ، وإنّه مبعوث من جانب اللّه ، ولولا الامّيّة الحاصلة فيه لطرأ الاحتمال في ما أتى به من الشرع أنّه متّخذ من الشرائع السابقة ، لدخل الريب في أصالة
محمد ( ص ) في القرآن — صفحة 67
مساهمون: السيد رضا الصدر
ص٦٧