كان يعرفها كلّ أهل بلدته ، سيّما أعمامه وأقرباؤه .
كان من يعرف الكتابة في ذلك العصر يشار إليه بالبنان ، وله شأن ، وإنّ قوله تعالى في تعريفه :
النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ
يشير إلى أنّ الامّيّة كانت ميزة محمّد صلّى اللّه عليه وآله من بين الأنبياء إذ لم يوصف في القرآن نبيّ بالاميّة غير محمّد صلّى اللّه عليه وآله .
وجاء في قصّة كتابة صلح الحديبية أنّه قال : أكتب : هذا ما صالح عليه محمّد رسول اللّه . . . ، فقال سهيل بن عمرو : لو شهدت أنّك رسول اللّه لم أقاتلك ولم أصدّك عن البيت ! ولكن اكتب باسمك واسم أبيك ، أفترغب عن اسمك واسم أبيك محمّد ابن عبد اللّه ؟ !
فقال رسول اللّه لعلّي : امح رسول اللّه !
فقال على : ما أنا بالذي أمحوه !
فقال : أرنيه فأراه إيّاه ، فمحاه رسول اللّه بيده الشريفة ، وقال : اكتب : هذا ما صالح عليه محمّد بن عبد اللّه سهيل بن عمرو ، وقال : أنا واللّه رسول اللّه وإن كذّبتموني « 1 » .
وهذه الامّيّة التي وصف بها محمّد صلّى اللّه عليه وآله غير منافية لكون قلبه الطاهر مهبطا للتنزيل والوحي ، ومنزلا للعلوم الإلهية وللمعارف الربّانيّة .
فقد علّمه ربّه الحكم والآيات ، وعلّمه ما لم يكن يعلم ، وجعله معلّما للبشر ، يعلّمهم ما لم يكونوا يعلمون ، ولعلّه تلاوة الآيات وتعليم الكتاب والحكمة .
ولو كان محمّد صلّى اللّه عليه وآله متعلّما عند بشر قبل أن يبعث لصار صدره وعاء للعلم البشريّ قبل أن يصير مستودعا للعلم الإلهي فكان عالما قبل أن يصير نبيّا ، فلم تميّز نبوّته عن علمه ، بل كان يتعامل مع أفكار بشريّة قبل أن يصل إليه الوحي من النفس الرحماني ، وتصير معرفته للمعارف البشريّة سببا في ابتعاد نفسه الطيّبة عن السذاجة الأصيلة ، ومزيلة عنها النقاء الطبيعيّ .
هامش
( 1 ) . السيرة النبويّة لابن هشام ، ج 3 ، ص 203 ؛ البحار ، ج 77 ، ص 333 .