وإنّ الضدّ قد نشأ في موطن ضدّه .
ونصغي إلى محمّد نفسه كي يحدّثنا بذلك :
« لم يزل ينقلني اللّه من أصلاب الطاهرين إلى أرحام المطهّرات ، حتّى أخرجني في عالمكم هذا دون أن يدنّسني بدنس الجاهليّة » « 1 » .
إنّ الإيمان الوثيق لم ينفصل عن الحقّ في الدعوة ، وإنّ الحقّ في الدّعوة تحقّقه سلامة ما يدعو إليه ، وما يكتنف سبيله من واقعية توفّر الإيمان وتوفّقه . وإنّه قوّة تجانب التعصّب وتجفوه كمبدإ ، فالأولى تنجم عن الخضوع والانصياع لكلمة الحقّ ، والثانية فإنّها تنجم عن التهافت إزاء الذاتية وهيمنتها .
من يناقش في الحقّ فهو كمن يدّعي وجود ثغرة في صخرة صلبة ، يكفي في ظهور كذبه أن يرى الإنسان الصخرة مرّة واحدة .
ومن آمن بالحقّ يتمكّن أن يدافع عنه بمقدار مستواه العلمي ، ومن اعتنق الباطل لا يقدر على ذلك إلّا أن يتشبّث بأذيال التعصّب الذميم ، ليذهب به إلى الجحيم ، وهو غافل عن ذلك .
إنّ المذهب الباطل كبناية متضعضعة صبغت بالأصباغ ، ويعرف الخلل فيها من أمعن النظر إليها . ولذلك ترى أرباب المذاهب الفاسدة
يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ
« 2 » ، ليخدعوا أنفسهم ويخدعوا الناس ، ويستغلّوهم ، ثمّ يمنعوهم عن البحث والتنقيب .
إنّ الإيمان الصحيح هو الإيمان البريء عن العاطفة ، وما انبثق عن البحث والنظر ، واتّباع ما يحدو إليه المنطق والحجّة .
وإنّ الواجب على الداعية أن يكون مؤمنا بما يدعو إليه ؛ لتكون دعوته أنفذ ، وإذا كانت دعوته إلى الحقّ فالداعية هو أوّل المؤمنين بها ، وأفضلهم اعتقادا ، وأقدمهم
هامش
للصدوق ، ص 116 ؛ تفسير فرات ، ص 190 ؛ علل الشرائع ، ص 80 .
( 1 ) . مجمع البيان ، ج 4 ، ص 322 ؛ البحار ، ج 15 ، ص 117 .
( 2 ) . المائدة ( 5 ) الآية 13 .