لا يستطيع عقله السيطرة على غرائزه ونزعاته ليكون موصلا له إلى غاياته الإنسانية العليا ، فهو مغلوب دائما أمام شهوته وغضبه ، فهو محتاج إلى إعانة عقله من الخارج ، ليتمكّن من تنفيذ ما يريد عقله . ولا فرق في ذلك بين الإنسان العاقل والمجنون ، كما لا فرق بين العالم والجاهل .
إنّ المجنون يسعى للوصول إلى غاياته الطبيعية كالحيوان ، وكذلك العاقل ساع للوصول إلى الغايات المطلوبة لطباعه ، بل هو أقرب منالا من المجنون ؛ لأنّه يسعى وراء غاياته كعاقل ، ويجعل عقله وسيلة للوصول إلى مآربه ، فهو مستخدم لعقله للوصول إلى متطلّباته الطبيعية .
ويفترق عن المجنون بأنّه يتمكّن بإعانة الهداية من جانب اللّه الحكيم أن يخلّص عقله من استعمار نزعاته ، ويجعله أميرا على نفسه ، ويعطيه الحرّية من استعباده للطبيعة ، ولكنّ المجنون لا يتمكّن من ذلك ، فهو ليس بمسئول أمام الشرع والقانون ، بخلاف العاقل فإنّه مسؤول .
وكذلك الجاهل والعالم ، فإنّ الجاهل مهتمّ دائما بالوصول إلى أطماعه وأغراضه ، ومثله العالم ، ولكنّه أسرع وصولا من الجاهل ، فإنّ من يركب الطائرة فهو أسرع وصولا إلى مقصده ممّن يمشي على رجليه ، فالعالم يستفيد من علمه للوصول إلى مآربه ، ولكنّ الجاهل محروم من هذه الاستفادة ، وفاقد لهذا الشرف ، ولولا الهداية الإلهيّة لكان علم العالم كعقله ، عبدا لنزعاته الطبيعية ، بل لكان سدّا للوصول إلى الغايات الإنسانية العليا .
فكلّ من الجاهل والعالم لا يتوقّفان للوصول إلى السعادة الأبدية إلّا بإعانة من جانب الرحمة الإلهية .
فالبشر بحاجة إلى الدين ما داموا بشرا ، وما داموا يمشون على وجه الأرض ، فما أتى به محمّد صلّى اللّه عليه وآله - وهو رحمة للعالمين ، رحمة لجميع الأجيال ، وجميع القرون - فهو هداية للإنسان المنتهي ، كما كان هداية للإنسان المبتدي .
ولا يختلف الإنسان المنتهي عن الإنسان المبتدي في ضعف عقله أمام نزعاته
محمد ( ص ) في القرآن — صفحة 254
مساهمون: السيد رضا الصدر
ص٢٥٤