قال لهم : « تعبثون » .
ويبدو من قوله :
وَتَتَّخِذُونَ مَصانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ
أنّ عادا كانت قد بلغت من الحضارة الصناعيّة مبلغا يذكر ، حتّى لتتّخذ المصانع لنحت الجبال وبناء القصور وتشييد العلامات على المرتفعات ، وحتّى ليجول في خاطر القوم أنّ هذه المصانع وما ينشئونه بوساطتها من البنايات والقلاع سوف يكفي لحمايتهم في سبيل الخلود ، ووقايتهم من مؤثّرات الجوّ ومن غارات الأعداء . . .
كما يبدو من ظاهر التعابير الواردة في الآيات أنّ قوم عاد كانوا حضّرا لا قبائل رحّل ، فيما حسبه الطبري وغيره من المفسّرين . فقد كانت لهم مباني ومصانع وعيون وجنّات وأعلام ، وتلك مساكنهم كانت ظاهرة حتّى أوان ظهور الإسلام :
وَعاداً وَثَمُودَ وَقَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ مِنْ مَساكِنِهِمْ
. « 1 » أمّا مساكن عاد فبالأحقاف بين اليمن وحضرموت كانت بمرأى من العرب في رحلاتهم الشتويّة إلى جنوبيّ الجزيرة . وكذا ثمود كان مقامها في الحجر المعروفة بمدائن صالح بين المدينة وتبوك ، وقد قطعت الصخر وشيّدته قصورا ، كما نحتت الجبال ملاجئ ومغارات وبقيت مشهودة لدى العرب في رحلاتهم الصيفيّة إلى شماليّ الجزيرة .
واقتران ذكر ثمود مع عاد فلكونهما معا من أجيال العرب البائدة والباقية آثارها حتّى حين وفي منتهى رحلتي الشتاء والصيف . على أنّ المؤرّخين ذكروا أنّ ثمود كانت تسكن جنوبي الجزيرة بجوار قوم عاد ، فلمّا ملكت حمير أخرجوهم إلى تيماء الحجاز .
وذكر صاحب كتاب فتوح الشام أنّ ثمودا ملئوا الأرض بين بصرى وعدن ! فلعلّها كانت في طريق هجرتها نحو الشمال ، كما ذكر جرجي زيدان . « 2 » وفي دائرة المعارف المترجمة : « ثمود قوم من العرب الأقدمين بادوا قبل ظهور النبي صلّى اللّه عليه وآله مثلهم في ذلك مثل عاد . . . » . « 3 »
هامش
( 1 ) العنكبوت 29 : 38 .
( 2 ) العرب قبل الإسلام لجرجي زيدان ، ص 77 - 78 .
( 3 ) دائرة المعارف الإسلامية المترجمة ، ج 6 ، ص 210 .