اطّلع على مدينة عظيمة لها سور وأبواب فدخلها فوجدها مبنيّة بلبن من ذهب ولبن من فضّة قصورها ودورها وبساتينها وأنّ حصباءها لآلئ وجواهر وترابها بنادق المسك وأنهارها سارحة وثمارها ساقطة . . . إلخ . قال ابن كثير : هذا كلّه من خرافات الإسرائيليين من وضع بعض زنادقتهم ليختبروا بذلك عقول الجهلة من الناس . قال : وهذه الحكاية لم تصحّ ولو صحّ إسنادها إلى ذلك الأعرابي فقد يكون اختلق ذلك أو أصابه نوع من الهوس والخبال . . . وعلى أيّة حال فهذا ممّا يقطع بعدم صحته . « 1 » أمّا الآيات من سورة الفجر :
أَ لَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعادٍ . إِرَمَ ذاتِ الْعِمادِ . الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُها فِي الْبِلادِ . وَثَمُودَ الَّذِينَ جابُوا الصَّخْرَ بِالْوادِ . وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتادِ . الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلادِ . فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسادَ . فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذابٍ . إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصادِ
. « 2 » فقد جمع اللّه في هذه الآيات القصار مصارع أقوى الجبّارين الّذين عرفهم التاريخ العربي القديم ، مصرع : « عاد إرم » وهي عاد الأولى . وهم من العرب العاربة أو البائدة « 3 » والتي أبيدت قبل بزوغ الإسلام ، فكانوا ذلك العهد حديث أمس الدابر وقد عفى عليهم الزمان ومحي جلّ آثارهم .
وعاد جيل من العرب كان مسكنهم بالأحقاف وهي كثبان الرمل ، في جنوبي الجزيرة بين حضرموت واليمن ، وكانوا بدوا ذوى خيام تقوم على عماد ، وكانوا ذوى قوّة وبطش وأقوى قبيلة في وقتها وأميزها
الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُها فِي الْبِلادِ
في ذلك الأوان .
قال أبو جعفر الطبري : وأشبه الأقوال والذي دلّ عليه ظاهر التنزيل أنّهم كانوا أهل عمد سيّارة . لأنّ المعروف من كلام العرب من العماد ، ما عمد به الخيام من الخشب والسواري التي يحمل عليها البناء ، ولا يعلم بناء كان لهم بالعماد بخبر صحيح ، بل وجّه أهل التأويل إلى أنّه عنى به طول أجسامهم ، وبعضهم إلى أنّه عنى به عماد خيامهم ، فأمّا عماد البنيان فلا يعلم من أحد من أهل التأويل وجّهه إليه . وتأويل القرآن إنّما يوجّه إلى
هامش
( 1 ) راجع : تفسير ابن كثير ، ج 4 ، ص 508 .
( 2 ) الفجر 89 : 6 - 14 .
( 3 ) العرب البائدة أو العاربة ممّن عفيت آثارهم قبل الإسلام ، وهم : قبائل عاد وثمود والعمالقة وطسم وجديس وأميم وجرهم وحضرموت ومن يتّصل بهم . دائرة القرن العشرين لفريد وجدي ، ج 6 ، ص 232 .